القوات الجنوبية لم تكن طرفًا هامشيًا في معادلة الأمن الإقليمي، بل شكّلت عمقًا استراتيجيًا متقدمًا في مواجهة تمدد الحوثي المدعوم من إيران، وأسهمت عمليًا في كبح الخطر قبل أن يلج أبواب المملكة وحدودها الجنوبية. لقد كانت هذه القوات الجنوبية شريكًا ميدانيًا حقيقيًا، لا مجرد حليف ظرفي.
المعركة ضد الحوثي لم تكن يومًا معركة جنوبية منفصلة، بل كانت جزءًا من معركة واحدة، هدفها حماية الأمن الإقليمي من الانزلاق نحو الفوضى، ومن تحويل اليمن إلى منصة تهديد مباشر لأمن المملكة والخليج. ومن هذا المنطلق، فإن أي ضربة تستهدف هذه القوات تشكّل خللًا في منطق التحالف، وإرباكًا لمعادلة الردع التي بُنيت خلال عقد كامل من المواجهة.
سياسيًا، فإن استهداف الذراع الفاعلة في مواجهة إيران والإرهاب يبعث برسائل ملتبسة لا تخدم الاستقرار، ولا تعزز الثقة بين الشركاء، بل تفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول اتجاه البوصلة، وحدود التفاهمات، ومستقبل الشراكة الأمنية في الجنوب.
إن ما تم قصفه لم يكن موقعًا عسكريًا فحسب، بل رصيدًا سياسيًا ومعنويًا تراكم عبر سنوات من التضحيات المشتركة. قُصِفت الثقة قبل أن تُقصَف الأرض، وتعرّض منطق الشراكة للاهتزاز والتوجس في لحظة إقليمية بالغة الحساسية والتعقيد.
إن الحفاظ على التحالفات لا يكون بإرباكها، ولا بإضعاف عناصر قوتها، بل بتثبيت ركائزها، واحترام أدوار الشركاء الذين وقفوا في الصفوف الأولى حين كان الخطر في ذروته. فالأمن لا يُدار بالأفعال المتناقضة، ولا يُحمى بإضعاف من أثبتوا أنهم خط الدفاع الأول.
التاريخ يسجل، والسياسة تحاسب، والتحالفات الحقيقية تُقاس في لحظات الاختبار.. لا في بيانات المجاملة.
