هكذا كان الحال مع التقارب السعودي-الإيراني، ثم مع الدور الصيني المتنامي، وتكرر المشهد عقب اجتماع السعودية وإيران والصين في طهران، حيث ساد انطباع متعجل بأن البلاد تقف على أعتاب تسوية سياسية وشيكة. غير أن هذا الانطباع، رغم جاذبيته، يتجاهل تعقيد البنية اليمنية ومسارات الصراع المتراكمة.
ومن هنا، لا ينبغي أن يكون السؤال الجوهري: هل هناك حوار إقليمي؟ بل: هل نحن أمام مسار سلام حقيقي يعالج جذور الأزمة، أم مجرد إدارة أكثر هدوءًا لها؟
لغة البيانات وحدود الدبلوماسية الإقليمية
اللغة الدبلوماسية، بحكم طبيعتها، تميل إلى التعميم وامتصاص التوتر وتجنب التفاصيل الخلافية، وهو أمر مفهوم في سياق العلاقات بين الدول. لكنها تصبح إشكالية حين تُسقط على نزاعات داخلية معقدة، ويُفترض معها أن التوافقات الإقليمية قادرة بذاتها على إنتاج سلام عادل ومستدام.
في الحالة اليمنية، لم تكن المشكلة يومًا في نقص التصريحات أو البيانات، بل في الفجوة المزمنة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني. فقد تكررت الدعوات إلى «حل سياسي شامل» على مدى سنوات، بينما ظل ميزان القوة مختلًا، وتعددت مراكز النفوذ، وغابت الدولة الجامعة.
هذا الخلط بين التهدئة الدبلوماسية وحل الصراع البنيوي قاد إلى تضخيم التوقعات، ثم إلى خيبات متكررة حين يتضح أن ما تغيّر هو النبرة لا المعادلة.
اليمن بين إنهاء الحرب وصناعة السلام
التقارب الإقليمي يمكن أن يخفف منسوب التوتر ويحد من احتمالات التصعيد، وربما يفتح نوافذ للحوار، لكنه لا يحل تلقائيًا الإشكاليات الجوهرية للصراع اليمني، وفي مقدمتها أزمة الشرعية، وتفكك السلطة، وعسكرة السياسة، وتداخل المحلي بالإقليمي.
لقد أثبتت التجربة اليمنية أن وقف القتال، مهما كان مرحبًا به إنسانيًا، لا يعني بالضرورة الانتقال إلى سلام مستدام. فالفارق بين إنهاء الحرب وصناعة السلام فارق جوهري؛ الأول قرار سياسي قد تفرضه الظروف، أما الثاني فهو مسار طويل يتطلب إعادة بناء الدولة ومؤسساتها. وأي تسوية تتجاوز هذه الحقيقة لن تكون سوى هدنة مؤقتة تُرحّل الصراع بدل أن تعالجه.
المرجعيات الثلاث: من توافق سياسي إلى إلزام قانوني
في هذا السياق، تبرز المرجعيات الثلاث بوصفها الإطار الوحيد القادر على الجمع بين الشرعية القانونية، والتوافق الوطني، والاعتراف الإقليمي والدولي. وهي ليست مجرد شعارات، بل خلاصة مسار تفاوضي طويل يهدف إلى الحفاظ على وحدة الدولة اليمنية وسيادتها.
وقد اكتسبت هذه المرجعيات وزنًا إضافيًا حين أُسنِدت بمنظومة قرارات صادرة عن مجلس الأمن الدولي تحت الفصل السابع، ما جعلها مسلّمة واقعية ملزِمة لا خيارًا تفاوضيًا قابلًا للتجاوز. هذه القرارات تُلزم جميع الأطراف برفض الاستيلاء على السلطة بالقوة، وتجريم عسكرة السياسة، واحترام سيادة الدولة ووحدتها.
إجماع دولي ومخاطر الالتفاف
لم يأتِ هذا الإطار من فراغ، بل تكرّس عبر إجماع إقليمي ودولي عبّرت عنه مواقف مجلس التعاون الخليجي، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، والأمم المتحدة.
وقد أكدت هذه الأطراف أن أي سلام مستدام في اليمن يجب أن يستند إلى المرجعيات الثلاث، بوصفها الضمانة الوحيدة لعدم مكافأة الأمر الواقع أو شرعنة الانقلابات المسلحة.
وعليه، فإن الحديث عن «بدائل واقعية» تتجاوز هذا الإطار لا يمثل اجتهادًا مشروعًا، بل خروجًا على النظام القانوني الدولي ومحاولة لإعادة تعريف الشرعية وفق موازين القوة.
الفراغ الداخلي وصفقات الخارج
الخطورة الحقيقية لا تكمن في الحوارات الإقليمية بحد ذاتها، بل في الفراغ الذي قد تملؤه إذا استمر الأداء الداخلي اليمني في حالة من الارتباك. فغياب الرؤية التفاوضية الموحدة وضعف التنسيق السياسي والعسكري والدبلوماسي يضعف القدرة على الدفاع عن المصالح الوطنية.
في مثل هذه الظروف، تصبح البلاد أكثر عرضة لأن تُدار تسويتها من الخارج وفق أولويات لا تعكس بالضرورة تطلعات اليمنيين، بل تكتفي بإدارة الصراع لا معالجته. وهنا يكمن خطر «الصفقات الإقليمية» التي تُقدَّم كحلول، بينما هي في جوهرها ترتيبات مؤقتة تؤجل الانفجار بدل أن تمنعه.
خاتمة: بين الفرصة والإنذار
ليس المطلوب رفض أي تقارب إقليمي، بل التعامل معه بوعي وحذر. فالحوار قد يكون فرصة إذا استُثمر لدعم مسار وطني جامع، وقد يتحول إلى عبء إذا استُخدم لتجاوز استحقاقات الداخل.
اليمن لا يحتاج إلى مزيد من البيانات، بل إلى مسار سياسي متماسك يستند إلى الشرعية ويحظى بدعم إقليمي ودولي منسجم مع القانون الدولي.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام مسار يمهّد لسلام عادل ومستدام، أم أننا نكتفي بسماع صدى السلام، بينما يظل جوهره مؤجَّلًا؟
