في بدايات المواجهة، راهن المحتل على النضال السلمي ومحاولات الاحتواء السياسي، لكنه سرعان ما أيقن أنه أمام شعب لا يمكن كسر إرادته، وأن عدن ليست مدينة عابرة في حساباته، بل عاصمة لشعب قرر الانعتاق الكامل من الاحتلال. ومع انسداد الأفق، انطلقت مسيرة النضال الثوري الحقيقي، وارتفعت المطالب الواضحة والصريحة بجلاء المحتل دون قيد أو شرط.
وحين حاول الاستعمار الترويج لفكرة “الاستقلال” دون الجلاء و بصيغة مشوهة ومنقوصة، عبر أدواته في الحكومات المحلية المتعاقبة، قوبلت تلك الطروحات بالرفض القاطع. فقد كان وعي شعب الجنوب العربي متقدمًا على ألاعيب السياسة، مدركًا أن الحرية لا تُجزّأ، وأن السيادة لا تقبل المساومة. عندها اشتدت حركة الكفاح المسلح، وقدم المناضلون الغالي والنفيس في مواجهة أقوى جيش في العالم، بسلاح فردي وإمكانات شحيحة، لا يملكون معها إلا الإيمان العميق باستعادة الأرض كاملة غير منقوصة السيادة، أو الشهادة دونها.
وبكل ما امتلكه المحتل من تفوق عسكري ومالي ولوجستي، وقف عاجزًا أمام رجال عاهدوا الله أن تتحقق أحلامهم بالنصر المتوَّج بالجلاء الكامل، أو أن يكتبوا أسماءهم في سجل الخالدين. جاعوا، عانوا، استشهدوا، اعتُقلوا، وطُردوا من ديارهم، لكن جذوة الثورة لم تنطفئ، وظلت عدن والجنوب العربي يصدحان بنشيد الاستقلال الناجز، جلاءً كامل الأركان، وبإرادة لا تنكسر.
ورغم المؤامرات والدسائس والتحالفات الإقليمية والدولية، انتصر أصحاب الأرض وأصحاب القضية. اقتنع المحتل في نهاية المطاف بالهزيمة، ورضخ لإرادة شعب الجنوب، حتى إنه قبل ببقاء كتيبة رمزية في المطار الجوي تأتمر بأوامر القيادة الوطنية الجنوبية للدولة الوليدة، في مشهد جسّد انتصار الإرادة الشعبية على القوة الغاشمة.
إن استحضار هذه الحقيقة التاريخية اليوم ليس مجرد استذكار لماضٍ مجيد، بل هو رسالة وعي ومسؤولية في ظل ما تعيشه عدن والجنوب العربي من تحديات مصيرية. فما يحدث اليوم من محاولات للهيمنة، وتفريغ للسيادة، وطمس للهوية الوطنية الجنوبية، ليس إلا امتدادًا لصراع قديم بأدوات جديدة. والتاريخ هنا ليس حكاية تُروى، بل دليل عملي يؤكد أن هذا الشعب، الذي انتزع استقلاله من بين أنياب الإمبراطورية، قادر على الصمود من جديد.
إن عدن التي كانت عاصمة النضال، ستظل عاصمة القرار الجنوبي، وإن شعب الجنوب العربي الذي رفض السيادة المنقوصة بالأمس، لن يقبل بها اليوم. فقراءة التاريخ بوعي، واستلهام دروسه، هو الطريق لتعزيز الصمود، وتوحيد الإرادة، واستعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة. وكما انتصر الجنوب بالأمس بإيمانه وعدالة قضيته، فإنه قادر اليوم، وغدًا، على انتزاع حقه وبناء دولته من جديد، بإرادة لا تعرف الانكسار.
