صباح الخير
مراحل الضعف والانكماش دائماً ما تكون مرتبطة بالذل والهوان واليأس ، دوماً نساءل لماذا يكون الضعيف صيداً سهلاً للآخرين ؟! فلا أعتقد أن الإجابة على مثل هذا التساؤل يغيب عن ذهن الكثيرين ، فالضعيف تزداد حوله المطامع بسبب الصراعات المتكررة وانتشار الفوضى والخصومة فتسود حالة من الجمود الفكري والعلمي والتعصب بكافة أنواعه ، بالتالي تستطيع أي قوى خارجية طامعة توجه أنظارها نحو المجتمع الضعيف أن تنتصر بسهولة بحرب ثقافية فكرية ، فإغراق البلد بالأفكار الهدامة والمبتذلة تغذي حدة الصراعات لتصل إلى مرحلة يعجز عقل الإنسان عن إيقافها .عندما يقف المرء في الشارع محدقاً بالمارة أمامه يلفت انتباهه البعض ممن يسيرون برأس منحنية ، عينية لا تفارق الأرض فتلتصق كل نظرة منها بذرة التراب وكأنها جزء منه لا يمكنه الاستغناء عنها فمنها الحياة وإليها الممات .تلك الخصوصية بين الإنسان والأرض تجعلنا نفكر بجمالية العطاء المتبادل بينهما ، فسعادة الإنسان في الحياة مرهونة بالتفاعل الذي ينشأ بين الإنسان والأرض ، الإنسان بما يحمله من وعي للانطلاق نحو آفاق واسعة أكثر غنى و ارتقاء والأرض بعطائها الوافر وإمكانياتها المادية التي تخدم الإنسان واستمرارية الحياة .التفكير الواعي والعقلاني يجعل الإنسان يتجه نحو الأرض لتصبح شغله الشاغل بعيداً عن الاهتمام بصغائر الحياة ، وقتها يدرك أن قوته ومكانته مستمدة من قوة الأرض ومدى اهتمامه بها لتبدأ مرحلة عطاء متبادل فتزدهر الحياة وتتطور ، هذا ما حدث بالفعل في العصور القديمة ، اتجاه الإنسان اليمني نحو الأرض والاهتمام بالزراعة ونجاح نظام الري وبناء السدود جعلت المجتمع يشهد انتعاشاً وأسهمت بقسط عظيم في صياغة الحياة العامة للناس وفتحت آفاقاً أخرى للنجاح والازدهار فجاءت التجارة لتكمل ذلك النجاح والتفاعل بين اليمني والأرض ، لكن مع طغيان التفكير الأناني للإنسان وانشغاله بصغائر الأمور يحل الخراب على الأرض ، الرخاء التجاري الذي شهدته اليمن في العصور القديمة والتقليل من أهمية الأرض وعطائها أضعفها كثيراً بعد أن تحولت طرق التجارة وماتت الأرض عطشاً بغياب الإنسان وانشغاله عنها ، فلم يتبق لليمني ما يربطه بتلك الأرض القاحلة بعد أن تخلى عنها وارتأى الرحيل عنها . الهجرة عن الأرض نتاج طبيعي بعد فقدان الخصوصية التي تجمع الإنسان بأرضه ، أذكر في أحد المرات قرأت أن حالة الحب بين الإنسان والأرض تبرز معالمها على وجه الإنسان وتترك آثارها على يديه ورجليه ويتحول لونه إلى لونها وكأنه هو الأرض والأرض هي الإنسان .دخول اليمن إلى العصور الوسطى ( الإسلامية ) أصبح الإسلام هو القوة التي قدمت نفسها ، تبلور هذا العصر بالانتماء إلى بقعة من الأرض شاسعة الاتساع ، فالإنسان اليمني بات جزءاً من الديانة الإسلامية يؤدي رسالة مقدسة في كل بقاع الأرض فلم يبخل بعطائه والتضحية بدمه لأجل قضيته. عظمة الإنسان اليمني وتفاعله مع الأرض تتجلى بوضوح في العصر الحديث ، سمات ذلك العصر منقوشة بدماء الشهداء الأبرار من قدموا أرواحهم فداء للأرض وتحريرها من الطغاة والمستعمرين قضت الظروف في تلك المرحلة أن يبقى الإنسان مشغولاً بتحرير الأرض ، نضال طويل تشربت الأرض الدماء في سبيل حريتها واستقلالها .إذن كيف نكون عناصر بشرية فاعلة قادرة على الاستيعاب الجيد للمعطيات الحضارية للعصر وتساهم في بناء أرضها ؟!في عصرنا الراهن ، ما الذي يشغل الإنسان عن الأرض وبأي سمة ممكن ان نصف هذا العصر وسط المتغيرات الحضارية والتقدم الفكري ؟! بناء الإنسان قبل الأرض ضرورة ملحة فتحرر العقول من تراكمات الماضي والأفكار التي تكبل الإرادة وتجعل الإنسان يتخبط في دوامة القدر البائس هو ما يحقق بناءً جاداً داخل المجتمع .الأرض بحاجة إلى عقول مرنة متحررة من القيود ومشدودة نحو الأصول والثوابت التي تمنحها الاتزان العام والموضوعية لتبدع في كافة شؤون الحياة.سلبيات هذا العصر من استغفال الوعي الديني وسيطرة الأعراف الاجتماعية والقبلية وتقييد العقل بالممنوعات المصطنعة وسيطرة الخرافات والهوى والظلم الاجتماعي والتقوقع في بقعة جغرافية معينة ورفض الانفتاح على التيارات الحضارية المختلفة حرمت الإنسان اليمني من خصوصية ارتباطه وتفاعله مع الأرض ، فكلما كان مستوى الفكر في تدن شعر الإنسان بعدم الانتماء إلى الأرض فيزداد شعوره بعدم الاستقرار ( النفسي ) ولا يمكن تحقيق العمران حينها.إن الإنسان والأرض هما مظهران لجوهر واحد يتحقق بالتفاعل ويتمايز بالنزعة الثقافية الفكرية ، وهذا التفاعل لا ينتهي إلا بانتهاء ( الإنسان أو الأرض ) وزوال احدهما ينذر بنهاية الآخر .
