عدن ليست أرضا بلا هوية وليست مدينة بلا أهل، بل هي مدينة التاريخ والكرامة، والمدينة التي دفعت أثمانا باهظة من دماء أبنائها وأمنها واستقرارها. ولهذا فإنها لن تسمح بأن تتحول مرة أخرى إلى مسرح للفوضى أو منصة لتصفية الحسابات السياسية أو تنفيذ مشاريع خاسرة. ومن يعتقد أن عدن يمكن أن تكون ساحة مفتوحة لمعاركه السياسية فهو واهم، ويستخف بوعي أبنائها الذين خبروا تجارب الماضي، ولم يعودوا يقبلون الانجرار خلف الشعارات الزائفة أو الدعوات المشبوهة.
ولا خلاف على أن حق التظاهر السلمي حق أصيل تكفله القوانين والمواثيق ..لكن هذا الحق لا يمنح أحدًا سلطة فرض ساحات احتجاجه على مدينة أخرى ولا يبرر تحويل عدن إلى وجهة لكل من فقد نفوذه أو يسعى إلى استعادته على حساب أمن المدينة واستقرارها وحياة سكانها.
إن القضية الجنوبية قضية عادلة، قدم الجنوبيون من أجلها تضحيات جساماً، غير أن عدالة القضية لا تعني أن تستباح عدن أو تتحمل وحدها أعباء الصراعات السياسية. فلكل محافظة همومها ولكل مدينة خصوصيتها، ومن حق أبناء كل محافظة أن يعبروا عن مطالبهم داخل محافظاتهم ومدنهم.. لا أن ينقلوا احتجاجاتهم إلى عدن ويجعلوا أبناءها يدفعون ثمنها.
إن من يحاول اليوم استدعاء الجماهير إلى عدن لا يفعل ذلك حباً بالقضية الجنوبية ولا دفاعاً عن مصالحها، وإنما يسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية ضيقة بعد أن تراجع حضوره وفقد كثيرا من نفوذه ولم يعد يجد من يستجيب لدعواته. لذلك يحاول جر عدن إلى معركة ليست معركتها، معتقداً أن الفوضى قد تعيده إلى الواجهة من جديد.
وقد أصبح أبناء عدن أكثر إدراكاً لهذه الحقائق من أي وقت مضى. فهم الذين كانوا في طليعة النضال، وقدموا التضحيات في مختلف المراحل، وشاركوا في الفعاليات والاحتجاجات عندما كانت تخدم المصلحة العامة، لكنهم اليوم أكثر وعيًا من أن يسمحوا بتحويل مدينتهم إلى رهينة لمعارك الآخرين أو إلى ساحة للفوضى. وهم يدركون أن حماية عدن مسؤولية جماعية، وأن الحفاظ على أمنها واستقرارها يتقدم على أي حسابات سياسية أو مصالح شخصية لا تخدم المواطن ولا الوطن.
محمد هشام باشراحيل
رئيس مجلس الإدارة ـــ رئيس التحرير
