بعض الأشخاص لا يمرّون في حياتنا مرورًا عابرًا، بل يتركون بصماتهم العميقة التي لا تُمحى بمرور الزمن، وقد صار وجودهم جزءًا من الذاكرة والروح، لا مجرد ذكريات عادية، بل حضورًا لا يُنسى في كل تفاصيله. صالح عاطف، أو كما كان يُعرف بيننا بـ "الزعيم".
كان جامعًا للخصال النبيلة والأخلاق الرفيعة، لا تراه إلا مبتسمًا، ولا تلقاه إلا بوجهٍ بشوشٍ يسبق حديثه. كانت ابتسامته عادةً لا تفارقه، كأنها جزء من حضوره، لا مجرد تعبير عابر.
سنوات طوال قضيناها ضيوفًا على ديوانه العامر، حيث الجود والطيب وصدق الترحيب، في استقبالٍ لا ينقطع، وروحٍ رحبةٍ تتسع لكل الزائرين. كانت أبوابه لا تُغلق أمام أحد.
ولم يكن كرمه وحده ما يميّزه، بل كان موسوعةً حيّةً في التراث والتاريخ والفن، وذو حسٍّ مرهفٍ لا يُضاهى في تقديره للطرب الأصيل. موسيقاه المفضلة وحكاياته عن الزمن الجميل كانت تجعل من اللقاء معه رحلةً إلى قلب الثقافة والفن، لا مجرد حديث عابر.
تخرّج من مدرسة الحياة قبل أي جامعة، وجمع من التجارب ما يجعله نادر المثال. كان يسعد بكل من جاء إلى ديوانه، ولا يمرّ به ضيفٌ إلا وفيه بهجةٌ بحجم اللقاء. أما السجايا الرفيعة، فستظل بيتًا عريقًا في تاريخ ناصع.
تسلّل المرض إلى الجسد في السنوات الأخيرة، لكنه لم يزحزحه عن صفائه وروحه، ثابتًا بابتسامته، يُخفي وجعه خلف سكينة عجيبة. كان الألم لا يعنيه بقدر ما كان يعنيه أن نبقى كما عرفناه.
كنت بعيدًا حين جاءني خبر وفاته ثقيلًا، كأن شيئًا في داخلي انكسر دفعةً واحدة. تمنّيت لو كنت قريبًا لأودّعه، لكن القدر اختار أن يكون الوداع صامتًا، فاستعدت في ذهني آخر حديث، وآخر ضحكة، وآخر لقاء من حضوره الدافئ. وعزاءنا أنه ترك لنا من الذكريات الجميلة ما يخفف وطأة الفقد، وإن ترك فينا فراغًا كبيرًا، فقد ترك أيضًا إرثًا من المحبة لا يُمحى.
لم يكن مجرد صديق أو قريب، بل كان مدرسةً في الأخلاق والتهذيب، ورمزًا للشخصية الهادئة المؤثرة التي تُعلّمك دون أن تشعر، وعنوانًا حيًا لجوهر الحياة التي تعني أن يعيش الإنسان حياةً لا تُنسى.
أدعو الله أن يتغمّده بواسع رحمته ومغفرته، وأن يجعل مثواه الجنة، وأن يخفف عنا الحزن الذي تركه رحيله، ويثبتنا على درب الخير الذي كان ساطعًا فيه دائمًا.
هنا في شارع فيصل بالقاهرة، حين أجلس مع أصدقائي، أستعيد ذكراه وأتحدث عنه بكل حب وتقدير، فأروي لهم شيئًا من أحاديثه الشيقة، ومن حضوره الذي لا يغيب عن القلب. وكأن غيابه لم يقطع صلته بنا، بل جعله أكثر ثباتًا في ذاكرتنا، يطل بين كل ضحكة وكلمة وموقف، كأنه ما زال يجلس بيننا ببسمته وابتسامته المعهودة.
