نبض القلم
«الضرورة لها أحكام » مقولة شهيرة يكثر تداولها عادة عند اضطرار الإنسان للقيام بعمل ما اتفق على عدم جوازه أو تحريمه، وقد استندت هذه المقولة إلى قاعدة فقهية تقول: ( الضرورات تبيح المحظورات) . وإذا تأملنا في مقولة (الضرورة لها أحكام) والتي اتخذناها عنواناً لمقالنا فإننا سنرى أن منطوقها يدل على معناها، فكلمة (أحكام) الواردة في نهايتها قد وردت بصيغة الجمع، بما يعني أن لكل حالة من حالات الضرورة حكماً خاصاً بها وينطبق عليها دون سواها من الضرورات أي أن كل حالة تقاس بمقياس الظروف والملابسات التي أحدثتها.ولكن ما تعريف الضرورة بالمفهوم الفقهي ؟هناك من العلماء من يعرف الضرورة بقوله : إنها خوف الضرر أو الهلاك على النفس أو على بعض الأعضاء بترك الأكل. وقال بعضهم إنها الخوف على النفس من الهلاك علماً أو ظناً. أو الخوف من الموت. أي إذا بلغ الضرر حداً إذا لم يتناول صاحبه الممنوع هلك، كأن تقع على الإنسان حالة من الخطر أو المشقة بحيث يخاف حدوث ضرر أو أذى في النفس أو في العضو أو في العرض أو في العقل أو في المال وتوابعها. وبمقتضى هذه المعاني لمفهوم الضرورة فإنه إذا حدث أن وجدت ضرورة لسبب من الأسباب أو طارئ من الطوارئ وكان الإنسان الواقع فيها مخيراً بين الهلاك بوسيلة ما، أو فقد عضو من أعضائه أو أحس بخطر محدق به، وبين ارتكابه محرماً من المحرمات أو مخالفته لحكم من أحكام الدين، فإنه لا حرج عليه إن أضطر لارتكاب المحرم أو خالف الشرع، فهو قد يضطر للنجاة بنفسه أو حماية عرضه أو نحو ذلك من المخاطر المحققة إلى أن يقترف المحرم المطلوب منه إجتنابه أو يترك الفعل الواجب عليه أداؤه ، أو يؤخر هذا الواجب عن وقته، أو يرتكب ما يستوجب الظرف القائم ارتكابه من إثم أو فعل ممنوع، أياً كان نوعه.ولذلك قال بعض الفقهاء إن الضرورة تقدر بقدرها ، فلا يباح الخروج بها عن حدها ، فالإنسان الواقع تحت سلطان الضرورة القاهرة ومؤثراتها هو وحده الذي يقدر مقدارها، ويزن معيارها وهو وحده المدرك لنوع الضرر الواقع على نفسه أو على ماله أو على عرضه وقد ظهرت في هذا الخصوص جملة من القواعد الفقهية التي تقول :- يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام. - الضرورة تقدر بقدرها. - الحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة وخاصة. - المشقة تجلب التيسير.- الأحكام تتغير بتغير الزمان.وتستند هذه القواعد إلى بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية فمن الآيات قوله تعالى “ يريد الله أن يخفف عنكم ، وخلق الإنسان ضعيفا (النساء 28) “ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه” ( البقرة ،173) ومن الأحاديث قول النبي صلى الله عليه وسلم :” إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه”.ولكن كثيراً من الناس قد أساؤوا استعمال القاعدة الفقهية الشهيرة (الضرورات تبيح المحظورات) واتخذوها وسيلة لإباحة المحرمات، فقد يتذرع بعضهم بمختلف المعاذير للتخلص من أعباء التكليف الشرعية أو لاقتراف ما هو ممنوع شرعاً ، أو لارتكاب الخطيئة ، متذرعين أو زاعمين أنهم وقعوا في الضرورة مع أنه لا ضرورة هناك ترغم على أن يأتوا بما هو منكر في الدين أو ممنوع في الشرع أو غير مسموح به في العادات الاجتماعية السليمة ، من ذلك مثلاً ما يقوم به بعضهم عندما يشرب الخمر متذرعاً بأنه لم يستطع الإفلات من حرج وقع فيه في أوساط من الناس الذين تقتضي مصلحة مجاراتهم في شرب الخمر وهو يعلم أنه محرم في شريعتنا . أو كما يفعل بعضهم حين يضطر لتقديم رشوة لأحد القادة المتنفذين في الدولة بحجة أن مصلحة عمله تقتضي ذلك، أو عندما يقدم بعضهم على الإفطار في رمضان متذرعاً بذرائع الضرورة التي تجبره على الإفطار كأن يكون مريضاً مرضاً طفيفاً لا يؤثر فيه الصوم أو يكون مشغولاً بعمل لا يبلغ فيه الجهد حداً يستوجب الإفطار أو عندما يقدم بعضهم على التخلي عن مسؤولياته تجاه والديه الكبيرين العاجزين أو أحدهما ، فيتركهما في العراء دون مأوى أو رعاية ، بحجة أنه مضطر لذلك لأن بيته ضيق وراتبه ضئيل لا يسمح له بالإنفاق عليهما ، فإن سألته : لماذا فعلت ذلك ؟ أجاب من فوره : الضرورة لها أحكام.[c1] إمام وخطيب جامع الهاشمي (الشيخ عثمان)[/c]
