نبض القلم
ذات يوم ، وبعيد صلاة الفجر مر بالقرب مني شابان يرتديان زياً موحداَ هو عبارة عن ثوب أبيض يصل طوله إلى أدنى من الركبة بقليل وفي ذقن كل منهما لحية تميزه عن سائر الشباب في سنه، وتبدو على كل منهما ملامح الوقار والتدين وكانا قد خرجا من أحد المساجد بعد أدائهما صلاة الفجر فبادرتهما التحية والسلام قائلاً السلام عليكم ولكنهما لم يردا التحية، فقلت في نفسي لعلهما لم يسمعا تحيتي فأعدت التحية بصوت مسموع ولكنهما تجاهلا تحيتي وهو ما أثار تعجبي واستغرابي إذا ليس بيني وبينهما سابق معرفة وبالتالي ليس بيننا خصومة، فلماذا لا يردان التحية بمثلها؟وكان قد مر بالقرب منا رجل آخر رآني مستغرباً ، فبادرني قائلاً إن هؤلاء لا يسلمون على أحد إلا بالمعرفة أي إنهم إذا عرفوا أحداً سلموا عليه أما إذ لم يعرفوه لا يسلمون عليه، فقلت ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم ( أفشوا السلام بينكم) أليست التحية المعروفة في الإسلام هي ) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) ؟ إنني لم أقل في تحيتي صباح الخير أو ( جود مورننج) كما يقول بعض الناس كانت تحيتي هي التحية الإسلامية المتداولة ( السلام عليكم) أطلقها امتثالاً لقول الله تعالى في سورة ( الأنعام ،54) “ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة”لقد وجهنا القرآن إلى إيثار روح السلام حتى مع الجاهلين فقال في سورة “ الفرقان 63” : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما “ والمراد با السلام في المجال الأخلاقي هو أن تكون روح الإنسان صافية مطبوعة على المسالمة والصفاء وحمل مشاعر الخير للناس ، وهو بهذا المعنى فضيلة من فضائل الإسلام، ولقد عنى الرسول صلى الله عليه وسلم عناية فائقة بأمر السلام، ودعا أتباعه إلى أن يستشعروا روح السلام في أنفسهم وفي معاملتهم لغيرهم فلا يكون منهم أي أذى أو اعتداء على الناس ، وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة منها قول الرسول (ص) “ افشوا السلام بينكم تحابوا” وغيره من الأحاديث الشريفة فنحن حينما نستجيب لهدي رسول الله (ص) ونتبع سنته فنلقي السلام على غيرنا، ينبغي أن نستحضر معنى هذه التحية وهو أن نتمنى من الله وندعوه أن يكتب لهذا الإنسان السلامة في حسه ونفسه، وفي عمله وحاله كله، ويلزم الطرف الآخر أن يجيب هذه التحية بمثلها أو أكثر منها فا لله سبحانه وتعالى يقول: “ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها “ النساء 86 “ فإذا قال الأول ( السلام عليكم) وجب على الآخر أن يزيد في الرد عليها فيقول” وعليك السلام ورحمة الله “ وإذا قال الأول “ السلام عليكم ورحمة الله “ كان من الواجب على الآخر أن يقول في رده “ وعليك السلام ورحمة الله وبركاته” وأن استوفى الأول عبارة السلام فذكرها كاملة بما فيها من ألفاظ السلام والرحمة والبركة ، لم يكن أمام الآخر ِإلا أن يرد التحية الكاملة بتحية كاملة مثلها.وربما يسأل سائل : لماذا كانت تحية السلام الكاملة مشتملة على هذه الأمور الثلاثة وهي : السلام، والرحمة، والبركة، والجواب هو أن الإنسان لا يتم له الانتفاع بهذه الحياة إلا بثلاثة أشياء أحدها سلامته من الشر ، ومن كل ما يفسد حياته وعيشته، والثاني: حصول الخير له، والثالث: دوام هذا الخير وثباته . ولذلك شرعت تحية الإسلام ( السلام عليكم) المتضمنة معنى السلامة من الشر لأن السلام متى عم وشمل حقق لصاحبه السلامة والنجاة من السوء أما قوله : (و رحمة الله) فإنه يتضمن معنى حصول الخير وتحقيقه ، وقوله : ( وبركاته) يتضمن معنى دوام الخير واستمراره بما يعني أن تحية السلام في الإسلام يرجى بها أن يتوافر لأصحابها الحياة السعيدة التي تفيض بالخير والهناء.ولذلك وجب على كل مسلم أن يرد السلام على من ألقاه عليه سواءً كان يعرفه أو لا يعرفه، حتى لو كان غير مسلم وقد روي في ذلك عن عبدالله بن عباس انه قال: ( من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه وإن كان مجوسياً ).وقد أنكر القرآن الكريم على الذين لا يردون السلام على مخالفيهم في العقيدة بقوله ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً، تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم ( النساء،94)ولقد وضع الإسلام لتحية السلام كثيراً من الآداب والقواعد، منها- إن الراكب يسلم على الماشي- الماشي يسلم على القاعد - القليل يسلم على الكثير - الصغير يسلم على الكبير وقد اتسع نطاق هذه التحية في الإسلام اتساعاً ملحوظاً إلى الحد الذي جعل المسلمين يلقون السلام على أنفسهم إذا دخلوا بيوتهم وليس فيها سواهم بقولهم (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين “ امتثالاً لقول الله تعالى :” فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة “ النور 61” ويتضح من ذلك أن الإسلام يريد أن يصاحبنا السلام في كل وقت وحين وفي كل زمان ومكان.[c1]* إمام وخطيب جامع الهاشمي (الشيخ عثمان)[/c]
