نبض القلم
الكسب غير المشروع ، مصطلح حديث كثر تداوله في مجتمعنا عند الحديث عن الفساد ، ويقابله في المصطلح الإسلامي : أكل أموال الناس بالباطل، وهو منهي عنه شرعاً ومحرم تحريماً قطعياًَ في الشريعة الإسلامية، وقد جاء في النهي عنه وتحريمه نصوص قرآنية وأحاديث نبوية شريفة، ومن ذلك ما جاء في سورة البقرة ( آية 188) : ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون ) ، وأيضاً ما جاء في سورة النساء ( آية 29) “ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم “.وليس بخاف أن أكل أموال الناس بالباطل هو نوع من الكسب غير المشروع وهو مصدر من مصادر الفساد الأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي وربما السياسي، ويمارس في بلادنا بعدة أوجه وبطرائق متعددة، ومن ذلك ما يقوم به بعض المتنفذين في أجهزة الدولة ممن يستغلون مواقعهم مستفيدين من سوء النظام الإداري وفوضى العمل وخلل في أجهزة المراقبة والتفتيش، فيمدون أيديهم إلى المال العام بحجة أنه مال الدولة حتى يكتشفوا أنهم أساؤوا التقدير ولم يفكروا في العواقب .ويندرج ضمن هؤلاء أولئكم الذين يختلسون الأموال في غفلة من أصحابها أو لضعفهم، فيهربون بها معتمدين على قواهم الجسمية أو وسائل مواصلاتهم السريعة أو مهاراتهم في التمويه والتخفي فهم ينتهبون أموال الناس بالغصب معتمدين على قوة نفوذهم أو قوة مواقعهم متناسين أن الله يمهلهم ولكنه لن يهملهم إذ لا بد أن يقعوا ذات يوم بقبضة العدالة فيلقون جزاءهم لأن كسبهم غير مشروع ومن الكسب غير المشروع ما يقوم به بعض الناس من الذين ينتهبون أراضي الدولة ويقتطعون لأنفسهم مساحات شاسعة دون مراعاة لقانون أو دين أو عرف أو شريعة فهم يعتمدون على سلطتهم أو قوة نفوذهم غير مدركين خطورة أفعالهم أو سوء تصرفاتهم لأنهم لم يروا عقاباً لمن سبقهم ممن فعل الشيء ذاته ولم يلاحظوا عواقب سيئة لمن بسطوا على أراضي لدولة وباعوها ولكنهم لا حظوا مباركة المجتمع لهؤلاء، والنظر إليهم باعتبارهم شطاراً عرفوا كيف يستغلون مواقعهم .وليس ببعيد عن هؤلاء أولئكم الذين ينهبون أمول الناس بالباطل عن طريق الخيانة كا لموظف الذي يأخذ أموال الدولة التي أوكلت إليه مهمة تدبيرها وكأمين المخازن الذي أؤتمن على ودائع فأنقصها وكالأجير الذي يأخذ خفية من مال مؤجره الذي ائتمنه عليه وكموزع البضائع الذي قصر في تسديد قيمة البضاعة التي باعها وكالتاجر الذي تحايل على الموزع ولم يسدد له قيمة البضاعة التي أشتراها، أو ظل يماطل للتهرب من تسديد القيمة في وقتها وأخطر هؤلاء جميعاً ذلك الذي استدان بضائع لتصريفها في متجره ثم يختفي فجأة من غير أن يدفع للدائنين قيمة بضائعهم، ومثله في الخطورة ذلكم الأجير الذي استأجره مؤجره ليساعده في أعماله التجارية فيتعرف على الزبائن ويستدين منهم بضمان المحل التجاري فإذا به يختفي ولا يعرف له أثر. ولكن خطورة هؤلاء جميعاً في كونهم خونة، لا ضمائر لهم ولا دين يردعهم لضعف إيمانهم بالله . والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: “ لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له “.والإيمان مقترن بالأمانة ،والرسول (ص) يقول: “ المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم وأعراضهم “ وهناك موع آخر من الكسب غير المشروع وهو الذي يأتي عن طريق الدعاوى الكاذبة باستخدام وثائق مزورة وحلف اليمين المغلظة للحصول على أموال أو أراض لا تخصهم متناسين قول النبي صلى الله عليه وسلم :”من أقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار ، وحرم عليه الجنة ، فقال رجل وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله، قال : وإن كان قضيباً من أراك» أي عود مسواك.وليس ببعيد عن هؤلاء جميعاً ذلك الموظف العام الذي أسند إليه المجتمع مهمة تسهيل أمورهم فيعقدها، ليأخذ من الناس الرشوة، والتي هي في نظر المجتمع نوع من السحت الذي لايجوز التعاطي معه شرعاً، ويندرج في هذا الإطار ذلكم القاضي الذي يتخذ السحت وسيلة للكسب غير المشروع، فيتلاعب في القضايا المعروضة عليه، والرابح من يدفع أكثر، متناسياً أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال : «كل لحم نبت من السحت فالنار أولى به، قالوا : وما السحت يارسول الله؟ قال : الرشوة في الحكم» وهو ما يؤكد أن رشوة الحاكم أكثر أنواع الرشوة خطراً.ومن أساليب الكسب غير المشروع ما يقوم به بعض الناس في أسواق بيع السمك، حين يرفعون أسعارها في عملية المزاد لا ليشتروها وإنما ليغروا غيرهم بشرائها بسعر مرتفع، وهذا ما يسمى بالنجش الذي نهى عنه الإسلام.وأخطر أساليب الكسب غير المشروع ما يقوم به بعض الناس بدعوى التعاون وحب الخير المنطوي على المحبة والمروءة، فيجمعون من الناس التبرعات لغرض إنجاز مشروعات خيرية، أو مساعدة الفقراء والبائسين، بينما هم في الواقع يمارسون نوعاً من الابتزاز، وليس بخاف أن هؤلاء يشكلون خطراً حقيقياً على المجتمع، لأنهم يفقدون الناس الثقة ببعضهم، فيحجمون عن المشاركة في المشاريع التعاونية، ودعم الأعمال الخيرية، ويندرج ضمن هؤلاء في الخطورة أولئكم الذين يستخدمون الأطفال في علمية التسول، فيعمدون إلى إحداث إعاقة في الطفل أو تخديره لاستدرار عطف الناس.إن هذه الأساليب وغيرها يستخدمها بعض الناس في مجتمعنا - للأسف - كوسائل للكسب غير المشروع، فيأكلون أموال الناس بالباطل، وهو ما يتنافى مع ديننا الحنيف وشريعتنا الغراء، فهل هناك من إجراءات لإيقاف ذلك؟[c1]* إمام وخطيب جامع الهاشمي (الشيخ عثمان)[/c]
