نبض القلم
يروى أن رجلاً ميسوراً ظل لسنوات طويلة يعمل في التجارة بيعاً وشراءً ، يأتيه رزقه رغداً ، ولكنه ذات عام نكب بخسارة فادحة، فضاقت أحواله ولم يبق له من متاع الدنيا غير جارية أحبها، ومنزل يسكنه، فباع المنزل بمبلغ يكفيه مؤنة السفر لحج بيت الله الحرام، وخرج إلى الحج مصطحباً معه الجارية.ولما كان الرجل خائفاً من اللصوص وقطاع الطرق الذين يتعرضون لقوافل الحجاج لسلب ما معهم من مال، أودع المال الذي بقي معه من قيمة المنزل لدى جاريته، فقال لها: يكون هذا المال في وسطك وحذر أن يراه أحد من اللصوص، فليس لدينا مال سواه فكانت الجارية إذا نزلت في منزل حفرت في خيمتها حفرة ووضعت المال فيها ثم تغمرها بالتراب فإذا نودي بالرحيل أخرجته وشدته في وسطها.وذات مرة ارتحلت القافلة التي فيها الرجل وجاريته من خيمة كانوا قد نصبوها قرب منها ماء، ونسيت الجارية المال في الحفرة فأخبرت سيدها بذلك فحار فكره، وطاش عقله ، وغابت روحه، ولم يدر ما يفعل وحدثته نفسه ببيع الجارية، ولكن قلبه لم يطاوعه لشدة تعلقه بها، وفوض أمره إلى الله.وبعد انتهاء موسم الحج عاد الرجل وجاريته،ونزلوا المنهل الذي خلفت فيه الجارية كيس النقود، فأخذا يبحثان وينظران إلى الأرض لعلهم يعثران على الكيس أو يهتديان إلى موضعه، خاصة أن الرياح والأمطار كانتا قد محتا كل أثر في الصحراء . وبينما هما كذلك رأى الرجل غلاماًً على رابية يرعى غنماً له، فتقدم إليه وهو ينظر إلى الأرض بحثاً عن الكيس، فقال الغلام : ويحك عماذا تبحث ؟ قال: شيء كنت قد أضعته في هذا المنهل فقال الغلام : صفه لي . قال: كيس أحمر فيه كذا من المال . قال الغلام : وهل لي شيء منه إذا دللتك عليه ؟قال الرجل : لك نصفه ، قال الغلام ها هو ذاك كيسك في الرابية. ولم يصدق الرجل ما قاله الغلام، من شدة يأسه ، فقال في نفسه : أيعقل أن يكون الكيس موجوداً فعلا ؟!فلما رأى الغلام الرجل متحيراً ذهب بنفسه إلى الرابية وأخرج الكيس ووضعه بين يدي الرجل فعد ما فيه فوجد نقوده كاملة غير منقوصة فحمد الله وقسم الكيس قسمين وطلب إلى الغلام أن يختار أحدهما ، فقال الغلام إني أرى أن قسمي كبير، فأنا أكتفي بنصف أحد القسمين فقسمه إلى قسمين أيضاً ففعل ، فقال الغلام ما أعجب أمرك أيها الرجل ! أأتركه كله حراماً ونصفه حلالاً ؟والله لن آخذ منه شيئاً خذ مالك وأنصرف .فقال الرجل للغلام : أأنت حر أم مملوك ؟ فقال : بل مملوك فقال لمن ؟ قال لشيخ هذا الحي .فدخل الرجل الحي وأتجه نحو الشيخ ، ووجد حوله ناساً مجتمعين ،فقال له : رأيت غلاماً في هذا المنهل يرعى غنماً أسالك بالله أن تبيعني إياه ، فقال الشيخ كنت: قد اشتريته بعشرة دنانير ، فبكم أنت تشتريه ؟ قال بعشرين ديناراً، قال الشيخ : فإن لم أبعه ؟ قال : أعطيك ثلاثين وإن شئت أربعين ديناراً فالتفت الشيخ إلى من حوله متعجباً وقال : أما تسمعون ما يقول الرجل ؟ قال للرجل متسائلاً ما يحملك على أن تبذل فيه هذا الثمن قال: لقد أعاد إلي الغلام ضالة كنت قد فقدتها فأردت عتقه وأبتاع الغنم التي يرعاها وأملكه إياها مكافأة له ، فقال الشيخ : لقد فعلت كل ذلك للغلام لفعله واحدة من أفعاله الكثيرة الطيبة التي توجبني أن أكون السباق في عتقه أشهدكم أنه حر لوجه الله ، وأن جميع الأغنام التي يرعاها هي له فقال الرجل : وأنا أشهدكم الله أن هذه الجارية التي تعلق بها قلبي وهمت بها حباً أعتقها الآن ، وأزوجها لهذا الغلام الأمين.وبعد ، لقد تذكرت هذه الحكاية التي كنت قرأتها في بعض كتب التراث العربي بعد ما رأيت بعض مؤسساتنا تتجاهل أو تتناسى جهود المخلصين الأمناء من موظفيها،العاملين لديها فتهملهم ولا تعطيهم ما يستحقون من التقدير ،مع أن النجاح الذي حققه أو تحققه هذه المؤسسة أو تلك إنما مرجعه إخلاص هؤلاء المهمشين الذين لا يذكر فضلهم إلا بعد اضطرارهم للانتقال إلى مؤسسات أخرى أو بعد إحالتهم إلى التقاعد، لأننا نعيش في السنوات الخداعات .وفي الوضع غير طبيعي كهذا الذي نعيشه في السنوات الخداعات لا غرابة أن يكافأ فيه الخامل ويؤمن فيه الخائن ويرقى فيه المنافق ويؤمر فيه السفهاء ويكون زعيم القوم أرذلهم ولا عجب عند ئذ أن يبقى الحديث المسموع هو كلام الرويبضة مصداقاً للحديث الشريف القائل : “ سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة “ رواه أحمد وأبن ماجة.[c1]* امام وخطيب جامع الهاشمي( الشيخ عثمان )[/c]
