صباح الخير
* ليس بخاف على أحد من ممارسي التعليم الجامعي أن مدى تحصيل الطلاب هو حجر الزاوية في إنجاز أي تقدم حقيقي في رفع مستواهم في ضروب العلم المختلفة. ويتحقق ذلك حينما يستطيع الطلاب استيعاب المعلومات من أساتذتهم، وباللغة التي يحاضرون الطلاب بها، شريطة إتقان كل من الطلاب وأساتذتهم اللغة الأجنبية ـ والمقصود هنا اللغة الإنجليزية ـ في إلقاء المحاضرات.* ونبدأ بالمستوى اللغوي للطلاب، وهو ـ في رأينا ـ ما يحدد مدى الاستيعاب المطلوب في العملية التعليمية. لقد تدهور المستوى اللغوي للطلاب على مدى ثلث القرن الماضي، وأصبح قسم مهم منهم يجد صعوبة في التحدث أو الكتابة باللغة الإنجليزية، ويظهر ذلك بوضوح فيما يكتبه طلاب السنوات النهائية بالجامعة في البحث والمقال الذي يعتبر جزءاً متمماً لدرجة البكالوريوس في العلوم التجريبية.. لأنه يمثل محصلة مراحل تعليمية متعددة، منها ما يعود إلى الجامعة ومنها ما هو بعدها. ففي المرحلة الجامعية وما قبلها يمثل التلقين أساساً لحصول الطالب على معلومات التخصص دون القراءة في ضروب الثقافة خارج هذا التخصص.* فنظام التعليم لطالب الطب ـ على سبيل المثال ـ مزدحم بمواد التخصص، بحيث لا يسمح له بالقراءة في ضروب الثقافة كالأدب والتاريخ والموسيقى والفلسفة، وجميعها ـ كما نعلم ـ تسهم في منح الفرد نظرة شمولية للمعرفة، إضافة إلى التخصص المطلوب. ومعنى ذلك أن نظام التعليم يؤدي إلى جفاف ثقافي، إضافة إلى تدني مستوى اللغة الإنجليزية. ومن شأن ذلك أن يؤثر على قدرة الطلاب على استيعاب المراجع ذات المستوى المطلوب ـ كل في مجال تخصصه ـ والاقتصار على قراءة مراجع أو كتب أو مذكرات ذات مستوى محلي.* وعندما يبعث هؤلاء الطلاب في بعثات ـ داخلية أو خارجية ـ للحصول على مؤهل عال، وخصوصاً من يوفدون إلى بلاد لغتها الأصلية غير الإنجليزية، فإن المبعوث يضطر إلى إتقان لغة بلاد الإيفاد (فرنسية ـ روسية ـ ألمانية). وعند عودة الطالب المبتعث بعد الحصول على الدكتوراه فإنه يضطر إلى التدريس باللغة الإنجليزية التي قد يجد صعوبة في إتقانها، ويتحدث بها، ولكن بلكنة تعتمد على لغة الإيفاد. والمحصلة النهائية أنه يقوم بالتدريس ولكن بلغة يصعب على طلابه استيعابها.* في هذا المناخ يلجأ العديد من أعضاء الهيئة التدريسية إلى طباعة المذكرات أو الكتب التي يندر أن يراجعها شخص آخر غير المؤلف حفاظاً على مستواها اللغوي والعلمي. وما سبق ذكره عن أعضاء هيئة التدريس ينطبق على مساعدي المدرسين والمعيدين وهم فئات تشرف على تدريس الجانب التجريبي في المختبرات، وتطبع مذكرات للطلاب بمستوى لغوي متدن. ومعنى ذلك أن قسماً مهماً من دراسة العلوم التجريبية يترك لمن هم ليسوا في مستوى علمي يؤهلهم للقيام بهذه المهام.* وما ينطبق على جامعاتنا اليمنية ينطبق على جامعات الوطن العربي، ففي العديد منها تضم هيئة التدريس أساتذة مختلفي الجنسية، يحاضرون بالإنجليزية، ويتفاوت إتقانهم اللغوي تفاوتاً حاداً، ما يضع الطلاب في هذه الجامعات في مأزق علمي ولغوي وحضاري، وينفرهم من العلوم التجريبية، ويدفعهم لدراسة الإنسانيات. وبكل المقاييس فإن تراجع دراسة العلوم التجريبية كارثة قومية.* من كل ما تقدم نرى أنه لا مفر من استخدام اللغة العربية في تدريس جميع العلوم التجريبية، وذلك لكي نيسر على طلابنا ملاحقة التقدم في ضروب المعرفة المختلفة. وما يحز في نفوسنا أن نجد لغتنا العربية الاشتقاقية، أجمل وأعرق وأثرى لغات العالم، قد أهمل استخدامها في تدريس جميع العلوم التجريبية، بينما نجد دويلة “إسرائيل” تحيي لغتها العبرية الميتة منذ قرون مضت، وتستخدمها في تدريس الطب والعلوم والتقنية في جامعاتها. ألم تكن لغتنا العربية بالأمس لغة العلم والمعرفة والحضارة، ما دفع الأوروبيين في العصور الوسطى إلى ترجمة كتب التراث العربية إلى لغاتهم، وقام عصر النهضة في أوروبا شاهداً على ذلك؟! يجب أن نسهل لطلابنا ملاحقة التقدم في شتى ضروب المعرفة، ولن يتحقق ذلك دون جهد عربي جماعي لترجمة المراجع والكتب إلى العربية، وتنسيق الجهد وتكامله، والاستفادة من خبرة أقطارنا العربية ـ مثل سوريا ـ التي طبقت هذا البرنامج منذ وقت طويل، وحققت نجاحاً منقطع النظير.
