نبض القلم
كثرت الشكوى من بعض الناس الذين يخونون الأمانة، في مجالات الحياة المختلفة ، ولقد تعددت أوجه الخيانة إلى الحد الذي جعل بعض الناس يتفننون فيها، ويبتكرون وسائل وطرائق متعددة للتمويه حتى لا ينكشف أمرهم، وتظهر خياناتهم للأمانة الملقاة على عاتقهم.والشكوى مريرة كذلك من بعض الموظفين الذين خانوا أماناتهم بأخذهم الرشوة من الناس مقابل تمييزهم في الخدمات المقدمة لهم، ومن بعض القادة الإداريين الذين يخونون أمانات أعمالهم ويستغلون وظائفهم العامة، فيستجيبون لنزعات نفوسهم الشريرة فيختلسون المال العام، أو يسرقون موارد الدولة ، أوينهبون خيرات المجتمع، وربما يتوهم بعضهم أنه اختلس شيئاً قليلاً، فليس عليه شيء من التبعات ، لأن الشيء المختلس لا يساوى شيئاً مقابل ماهو موجود من الودائع أو الأمانات التي لديه، متناسياً أن الشخص الذي يختلس الشيء التافه اليوم ، فإنه لن يتورع عن أن يختلس الشيء الكبير غداً ، وهذا هو السحت المحرم، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم يقول في ذلك (كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به). وفي حديث آخر للنبي صلى الله عليه وسلم، يقول: (من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطاً فما فوقه كان غلولاً يأتي به يوم القيامة) رواه مسلم. ونفهم من هذا الحديث الشريف أن النبي (ص) نهى عن أخذ أي شيء من موارد الدولة سواء كان ذلك الشيء صغيراً أم كبيراً، حتى لو كان بحجم الإبرة من حيث الصغر، قال ذلك في معرض حديثه عن بعض الصحابة الذين لايتورعون أخذ بعض أموال الزكاة أو الغنائم، أو يقتطعونها قبل توريدها إلى بيت مال المسلمين، متذرعين بأن ما أخذوه إنما هو شيء قليل ، لاقيمة له ، وهو مالم يجزهم عليه النبي (ص) حين قال: (من استعملناه منكم على عمل) أي من وليناه منكم على عمل كجمع الزكاة أو نحوها، ووثقنا به، أو اعتمدنا عليه للقيام بحراسة الموارد العامة، (فكتمنا) أي أخفى عنا لنفسه (مخيطاً) أي ما مقداره إبرة الخياطة ، وهو شيء ضئيل جداً إذا قسناه بالموارد العامة التي يتم جبايتها من الناس. ولقد ضرب النبي (ص) المثل بالإبرة لصغرها وقلة قيمتها ليدلل على أن الفلول حرام، سواءً كان الشيء المغلول قليلاً أم كثيراً ، صغيراً أم كبيراً، و(الغلول) : هو الخيانة في المغنم، أو الخيانة بالسرقة، وسمي بذلك لأن صاحبه يغله في متاعه أي يخفيه بين أمتعته ، وإذا كان الغلول يعني الخيانة بالسرقة ، فإنه لذلك يؤدي بصاحبه إلى أن يقيد بالغل يوم القيامة، و(الغلول) هو الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه ، و(الغال)، هو الخائن ، وكل من سرق شيئاً وأخفاه فقد غل، أي خان (والأغلال) هي القيود الناجمة عن السرقة الخفية، وقد أجمع الفقهاء على أن (الغلول) من الكبائر ، ولذا حرمه النبي (ص) قليله وكثيره. ويروى أن أحد صحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع هذا الحديث قام إلى النبي (ص) وقال له: يارسول الله، اقبل مني عملك ، أي اقبل استقالتي ، وأقلني منه، أو اعفني من القيام بالمهام التي كلفتني بها، فتعجب النبي (ص) من ذلك، فقال للرجل : مالك؟ أي ما الذي دعاك إلى تقديم استقالتك؟ فقال الرجل : لقد سمعتك تقول : كذا وكذا وكذا، ( إشارة إلى الحديث) فقال الرسول (ص) : وأنا أقوله الآن (من استعملناه على عمل فليجئ بقليل وكثيره، فما أوتي منه أخذ، وما نهي عنه انتهى). والظاهر أن هذا الرجل كان قد أسند إليه الرسول (ص) أمراً من أمور المسلمين ، أي كلفه بوظيفة عامة - إذا أخذناها بالمفهوم المعاصر - فلما سمع حديث رسول الله (ص) خاف على نفسه، وخشي أن يقع في شيء من الغلول أو الخيانة فأراد أن يتخلى عن عمله ، فاستأذن من الرسول أن يعفيه من القيام بهذا العمل ، لأنه يخاف على نفسه من الوقوع في الخيانة. ولذلك قال بعض العلماء أن هذا الحديث يدل على أنه يحرم على أي مسؤول أو قائد في أي مرفق عام أن يأخذ لنفسه أو لأهله أو لأقاربه أي شيء من مرفق عمله، أو المؤسسة العامة التي يديرها. وبعد، أما ترون أن هذا الحديث الشريف جدير بأن يكتب بخط بارز ويعلق في مكتب كل وزير ومحافظ وأمام كل موظف عام في بلادنا ، حتى يراقب الله ويتقيه فيما بين يديه من حقوق الناس ومصالحهم وحتى لايخون الأمانة قليلها وكثيرها.[c1]* إمام وخطيب جامع الهاشمي (الشيخ عثمان)[/c]
