قد يختلف الكثير من الناس في بعض الأمور والقضايا إلا أن الجميع يتفق بصدد الكرة. ويلتفون حولها من شتى المذاهب السياسية والدينية والثقافية ولا يجدون في التفاهم حولها واختلافهم في مسائل أخرى أية غضاضة بل إنهم يأنسون لها وللجدل والنقاش عنها الذي لا يصل بهم إلى أية فواصل غير حميدة.وليس كشأن الاختلاف في أمور كالسياسة التي تؤدي خلافاتها إلى حروب، أو أمور اقتصادية التي تؤدي لاختلافات فيها إلى الحصار والتجويع أو لأمور دينية التي تؤدي خلافاتها إلى التكفير والمذابح.عندما لم تكن الكرة في الزمن القديم كان التفاف الناس حول احد الأمور صعباً حتى أن العاب البهلوانيات وصراع الديكة والثيران لم يستحوذ على اهتمام غالب الناس.لذا كانت اختلافاتهم قليلة لبعد المكان أو هي رحمة من الله على الناس في الزمن القديم حيث لم تكن ثمة كرة يلتفون حولها ولم تكن في المقابل عصبة أمم ولا هيئة أمم متحدة ترعى خلافاتهم وتزيد من حدتها وضراوتها.إن أنظار العالم في غالبه والتي تحدق اليوم صوب فيينا ترنو إلى هذا الحدث لسبب وحيد وبسيط هو انه الحدث الفريد الذي يخلو من سياسية.-تلك التي يحاول الفرد منا في عالم اليوم أن ينجو منها. وهي تطارده كشيطان مجنون- وتتمنى كل هذه الأنظار المحدقة لو أن ثمة حدثاً سعيداً مثل هذا يحدث في مجال السياسة التي أفسدت أرقى العصور.فالعرس الكروي أكثر من ملهاة ومتعة ينشدها الناظر ليتناسى أثناءها كل إرهاصات السياسة وإخفاقات الاقتصاد العالمي ويمني النفس بلحظات نادرة من العمر بثمن كل الأعاصير والإشكالات والهموم التي تكتنفه.ووفود الكرة -عادة-تذهب إلى الميدان حاملة في جعبتها سياسات وفنون وخطط جديدة تختلف عن سياسات وفود الساسة ورجال الدبلوماسية في كل الأهداف والغايات والمعاني وفود الكرة تذهب من اجل هدف وغاية واحدة عكس الساسة الذين يذهبون لغايات شتى وأهداف متناقضة ومتقاطعة.ويتنافس الكرويون على أفكار وخطط جديدة لا تحيد عن القواعد والقوانين قيد أنملة ولم يحدث أن تمت مباراة سرية بعيدة عن كل الأنظار.إن ملايين الأنظار المحدقة في وفود الكرة لا تهدر وقتها جزافاً كونها تصل في آخر المطاف إلى نتيجة واضحة ومحددة لا يختلف عليها اثنان شأن اختلافهما في السياسة التي لا تنتهي إلى نتيجة محددة واضحة في كثير من الأحايين بل وفي أحايين أخرى تنتهي بأزمات وكوارث تأتي على بلدان وشعوب.بينما تجري وقائع الأحداث الكروية والرياضية على ملء الأنظار بإبهار عجيب وتحدق بملء عينيها في دواخل الأضلاع الأربعة غير عابئة بطاحونة الفقر التي تحصد يومياً عشرات الجياع أو لعلها تحبذ أن تنسى كابوس السياسة.وإذا كانت الناس تحدق بذات الاهتمام إلى عرس كروي فإنها لتأنس بها للمتعة والإراحة النفسية التي تجدهما في وضح النهار أو على انعكاسات الأضواء الباهرة حيث لا مجال فيها للمؤامرات أو الدسائس وبين الكرة والساسة مسافات شاسعة لا يستطيع أي منهما تجاوزها بل ويحتفظون بهذه المسافة اكتفاء بما التف على كل منهما من أنظار هذه الأنظار التي ستتابع في جموعها المؤلفة الأحداث السياسية ووقائعهما فيما لو تم في السياسة مايتم في المربع الأخضر.ولو تسابق الساسة إلى الهدف في امن وسلام عالميين وفق سياسات واضحة ومحددة المعالم بلا دسائس ولا مؤامرات وساد أنحاء الميدان الدولي خططاً لإزالة الهيمنة ووقف مجلس الأمن كحامل الصافرة وبين كفيه( الكارت) بلونيه الأصفر والأحمر وكانت الهيئات والمنظمات الدولية كمساعدي الحكم يشهدون الحدث ويعيدون الأمور إلى نصابها لكان حينئذ للساسة أثمان تفوق أثمان اللاعبين الكرويين.
الكأس المر
أخبار متعلقة
