إلى المغرر بهم في صعدة
لا يمكن أن يجازف المرء فيجزم ، أو يقول إن أهلنا ، وأخوتنا في صعدة لا يقرؤون التأريخ ، لسبب هو أوضح من الشمس في كبد السماء ،هذا السبب يتمثل في أن ذلك لا يمكن قبوله، لا عقلا ،ولا منطقا ؛ فأهل صعدة ؛ هم أهل علم ، وتأريخ ، ويسهمون منذ عهود طويلة في مسيرة العلم، وفي صناعة التأريخ ؛ بغض النظر عن الخلاف ، والاختلاف الذي نعتقد أنه لم يخدم الوطن ، ولا الإنسان بأي حال من الأحوال ، ولا في أي وقت من الأوقات. المثير للاستغراب ، والذي لا نعلم له معنى ؛ أن يظل بعض أخوتنا من أبناء هذه المناطق يصرون على أن يبقى الوطن ومواطنوه- وهم جزء منه- يلفون في حلقة مفرغة ، مع أن المستفيد الوحيد من هذه الفتنة ، وكل الفتن السابقة ؛ التي عانى منها الوطن منذ مئات السنين ؛هم أناس لا صلة لهم بهذا الوطن ، ومستقبله ، بل يعتبرون أنفسهم خلقاَ آخر، وفوق كل الثوابت، وفوق كل خلق الله ! ! ومنهم ،وفيهم؛ أهل هذه المحافظة الكرام، الأوفياء.ترى ؛ لماذا كل هذا ؟ وإذا لم يكن هذا هو البغي بعينه ؛ المنسكب علينا على مدى الدهور ؛ فما هو البغي إذاَ ؟ ! وإذا كان هذا هو البغي ؛ فما هو الواجب الملقى على عاتق الجميع ؟ هل يعقل مثلاَ أن يكون الواجب- واجب الإخاء في الله ، وفي الإسلام- هو حمل السلاح ،وتوجيهه إلى صدور الأبرياء ، والإخوة ؟ ! وإلى قلب هذا الوطن، لنسف كل أمل ، وإحباط أي توجه جاد للعمل المثابر لصنع المستقبل المشرق للأجيال القادمة ؟ !ونقول بكل أسف ؛ إن الحاصل على أرض الواقع لم يبعد كثيراَ- في كل العصور- عن عقلية تكريس الواقع المأساوي لهذا البلد ، وهذا الشعب ، مع أن بإمكان شعبنا بكل محافظاته ،وشرائحه وفئاته ؛ أن يحيا حياة كريمة ، مرفوع الرأس ، مهاب الجانب ، فيما لو أدرك أهمية الوحدة ، وأهمية أن يقاتل الجميع من أجل حمايتها ، لا من أجل تكريس واقع الفرقة والمذهبية ، والطائفية التي لم تجلب لنا ، ولن تجلب لنا سوى الويلات والكوارث ، ومزيد من التخلف والجهل، والفقر والمرض.وحتى نكون واضحين؛ فإننا نسأل أولاَ : متى كانت الطائفية قد غدت وسيلة بناء ، وأداة توحيد ؟ ونسأل ثانياَ : متى كان دعاتها مخلصين لهذا الوطن ؟ ونسأل ثالثاَ :متى كانت البغضاء التي يشحنون بها الناس وسيلة للقاء ؟ إن التأريخ لا يمكن أن يرضى سوى بالحقيقة ، ولقد سجل في صفحاته ، وعلى أيدي الكل ؛ أن أهل صعدة- كغيرهم من أبناء الوطن- قد ذاقوا الأمرين من جراء هذه الفتن ، ويسجل التأريخ كيف أرغم اليمنيون ، وتحت وطأة التهديد ؛ وعصا التكفير الطائفي على القتال ، والاقتتال ضد بعضهم البعض ، وكل قبيلة في نصرة إمامها ، حتى كاد الموت أن يفنيهم ، قبل أن يفنوا بعضهم بعضاَ ، ودون أن يقبل احد الأئمة بالنزول لصوت العقل ، وإعارة مسألة حقن الدماء أدنى ما يمكن من الاعتبارات .بل لقد مات عشرات الآلاف من الناس في كل المناطق بسبب الجوع ، وكانت الدولة- مع أن إمامها من أعلم الناس بحق الرعية عليه- كانت الدولة لا تزيد على أن تتفرج على مآسيهم ، وتخزن الكميات الهائلة من الطعام في بيت مال المسلمين .فإلى متى يصر بعض أهلنا في صعدة على أن يظلوا الضحايا دائماً ، وإلى متى يصرون على اغتيال مستقبلهم من أجل نصرة قاتلهم . . إلى متى ؟ !
