صباح الخير
لايمكن تصور تطور أي دولة أو مدينة دون حضارة أو تراث أو تاريخ عريق أو موروث ثقافي أصيل.. إن هذه الجذور هي التي تساهم في تنمية الدول والمدن، فهي مدماك الاصالة في زرع بذور المعاصرة.. فالحكومات الحديثة والناجحة تسعى لإبراز موروثها الثقافي الأصيل ومعالمها الأثرية التي تروي قصة حضارة أبنائها الضاربة أطنابها وجذورها في عمق الأرض والمتواصلة مع الحضارات الإنسانية في هذه المعمورة، فلا تفتأ هذه الحكومات على صيانة وترميم مواقعها الأثرية العتيقة، وتواصل اكتشافاتها الأثرية، وتحمي موروثها الثقافي والتاريخي من الاندثار حفاظاً على مقوماتها وعرفاناً بقدرات أبنائها في صنع نهضتها ومجدها وحضارتها وإيماناً بهذا التراث الإنساني الذي أضحى ملكاً للجميع ومزاراً للزائرين وقبلة للسائحين.وتزخر اليمن منذ الأزل بالعديد من المعالم الأثرية وبإسهامات الإنسان اليمني وتواصله مع الحضارات الإسلامية، بيد أن هذه الآثار بحاجة الى حماية وحماية مستمرة..قد تكون الكوارث الطبيعية من الأسباب الرئيسة التي تفني ملامح حضارات الشعوب إلا أن الكارثة الكبرى عندما تتدخل يد الإنسان في القضاء على هذه المعالم والآثار او يكون الإهمال سبباً في هذا التدهور، فهاهي منظمة "اليونسكو" توجه إنذارها الأخير بابقاء مدينة زبيد اليمنية التاريخية ضمن قائمة التراث العالمي لفترة عامين للحفاظ على تراث مدينة زبيد المعماري من التخريب والتشويه ولحماية مايربو عن خمسة وثمانين جامعاً أثرياً ومدارس إسلامية يصل عمر بعضها الى أكثر من ألف وثلاثمائة عام كجامع الأشاعر.إن على الحكومة اليمنية إنقاذ وحماية ماتبقى من المعالم الأثرية لمدينة زبيد ومن واجبها تشديد الرقابة والحماية عليها، وتوعية المواطنين على عدم المساس بمعالمها الغنية وإرشادهم على مساندتها في ترميم وصيانة هذه المعالم التاريخية وإن انشاء لجنة مدينة زبيد التاريخية برئاسة الدكتور محمد ابوبكر المفلحي وزير الثقافة لبادرة حسنة لانقاذ هذه المدينة وبقاء اسمها ومعالمها في قائمة التراث الانساني.. وعلى الحكومة تشديد الرقابة والحماية لكل الآثار والمعالم التاريخية والقلاع والمساجد وكل مايتعلق بالتراث اليمني، وتشكيل فريق متخصص للاكتشافات والحفريات وللصيانة والترميمات، ومنع العبث بهذه المعالم، أو تغيير معالمها دون دراسات علمية أو الاستفادة من آراء المتخصصين.وقد اندثرت في مدينة عدن الكثير من المعالم التاريخية ونخص بالذكر مساجد عدن، فمسجد أبان مثلاً، كان اول مسجد أسس في مدينة عدن أواخر القرن السابع الميلادي وأول من صلى فيه الصحابي الجليل معاذ بن جبل، وقد تم بناؤه في العهد التابعي، حيث شيده الحكم بن أبان بن عثمان بن عفان رضي الله عنه وسماه باسم والده أبان، وقد تم هدم كل معالمه وبناء مسجد جديد محله، فلم يعد من آثار مسجد أبان القديم إلا إسمه، وقد لاتوجد وثائق أو مصادر تاريخية تلقي الضوء على هذا الأثر الإسلامي الجليل.. وهانحن اليوم نسمع عن إعادة ترميم مسجد الهتاري في منطقة التواهي الذي رمم قريباً والذي يعتبر من المساجد القديمة في مدينة عدن وإن لم تتوفر بيانات تاريخية موثقة لبنائه ولا للمرشدين الدينيين الذين تعاقبوا عليه، وهناك مصدر للأستاذ/ أمين سعيد باوزير يقول إن بناء مسجد الهتاري كان في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي.المهم علينا أن نؤرخ لتراثنا، ونعزز المصادر التاريخية التي تلقي الضوء على حضارتنا القديمة وآثارنا الإسلامية، لا أن نطمس ماتبقى من مبان ومساجد وقلاع عريقة بغرض الترميم والتجديد الذي لايعتمد على الأصول وعلى علماء الآثار والمتخصصين فتختفي الموروثات الثقافية والمزارات الإسلامية والمواقع الأثرية، فتصبح المدن اليمنية مدناً بلا روح، وينعكس ذلك سلباً على السياحة وبالتالي على التنمية.
