ورغم هذا الإرث المثقل، لا بد من قولٍ عادل: إن الجهود التي تبذلها قيادة وزارة الكهرباء حاليًا قائمة، ومحاولات المعالجة لم تنقطع، غير أن حجم التحدي أكبر من أن يُحتوى بإجراءات جزئية أو حلول مؤقتة. فالمعضلة لم تعد في التشغيل اليومي وحده، بل في غياب مشروعٍ استراتيجي يعيد بناء المنظومة على أسسٍ حديثة.
تشير المعطيات إلى أن القدرة التوليدية الحالية لا تغطي سوى نحو 30 % إلى 35 % من الاحتياج الفعلي، فيما تتسع فجوة العجز لتبلغ قرابة 65 % إلى 70 %. وتشتد الأزمة ليلًا مع ارتفاع الطلب، فيغدو الاستقرار الكهربائي حالة نادرة، ويستمر الضغط على حياة الناس ومختلف القطاعات الخدمية والاقتصادية.
ومن هنا، لا يعود الحل خيارًا يمكن تأجيله، بل ضرورة حتمية: إنشاء محطة غازية كبرى في منطقة إنتاج الغاز الطبيعي، تُصمَّم بقدرةٍ إجمالية تصل إلى 2000 ميجاوات، تُشكّل ركيزة التحول في قطاع الطاقة، عبر ربط شبكي شامل يغذي مختلف المناطق والمحافظات. على أن يُنفَّذ هذا المشروع بشكلٍ مرحلي، يبدأ بقدرةٍ أولية تبلغ 1000 ميجاوات تُقام على مرحلتين (500 ميجا للمرحلة الأولى)، بما يحقق توازنًا بين الحاجة العاجلة لتقليص العجز، ومتطلبات التمويل والتنفيذ في الواقع الحالي.
مشروع كهذا لا يسد العجز فحسب، بل يعيد صياغة المشهد برمّته، ويفتح الباب أمام تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري تدريجيًا، مع تحويل المحطات الحالية إلى وحدات دعم للحالات الطارئة وأوقات الذروة بدل بقائها عبئًا دائمًا، ويؤسس في الوقت ذاته لتوسّعٍ مستقبلي يستكمل القدرة التصميمية دون الحاجة إلى إعادة بناء المنظومة من جديد.
كما أن تحقيق هذا التحول يتطلب شراكات حقيقية مع الدول الصديقة والشقيقة (والرأس المال الوطني)، تُسهم في نقل الخبرة وتوفير التمويل، بما يُسرّع من تنفيذ هذا المشروع الاستراتيجي، وينقل القطاع من دائرة المعالجة إلى أفق الاستدامة.
فالمستقبل لا يُبنى فوق ذاكرةٍ مثقوبة، ولا تستقيم مسيرة بلا مساءلة؛ مساءلة حقيقية تتجاوز العموميات إلى كشف ما كان يحدث في منظومة الكهرباء، ابتداءً من أسباب توقف محطة الـ64 ميجا في المنصورة، وخروج محطة 50 ميجا القطرية في الحسوة، مرورًا بالتمديدات التي أُثقلت منظومة التوليد المتواضعة لمدن حديثة النشأة وما رافقها من اختلالات، وصولًا إلى أسباب التحول من النحاس إلى الألمنيوم، وما حدث من أعطالٍ وانفجارات في مولدات الطاقة، فضلًا عن مراجعة أوجه الإنفاق على مشاريع وبيانات لم تصمد طويلًا أمام الواقع.
إن الهدف من هذا الطرح لا يقف عند توصيف الأزمة، بل يتجاوز ذلك إلى رسم طريقٍ واضح نحو الحل: مشروع استراتيجي للطاقة يوازيه نظام مساءلة صارم. فبدون طاقة مستقرة لا تستقيم الحياة، وبدون محاسبة لا تستقيم الدولة. وبين هذين المسارين يتحدد مستقبل الكهرباء في عدن: إما استمرار في دائرة الوعود، أو انتقال حقيقي إلى زمن الحلول.
