قرار رفع أسعار الوقود في المناطق المحررة ليس مجرد إجراء اقتصادي عابر، بل زلزال يمس تفاصيل الحياة اليومية للمواطن المعدم المكلوم بالأساس، ويعيد تشكيل معاناته بصورة أشد قسوة.
فالمواطن الذي كان يترقب بصيص أمل بعد تحسن نسبي في قيمة العملة، يجد نفسه اليوم أمام موجة جديدة من الغلاء، تتربص به من كل جانب، وكأنها سكاكين تُشحذ على حساب لقمة عيشه.
لقد شهدت قبل (ما يقارب عشرة أشهر) تراجعًا كبيرًا في قيمة العملات الأجنبية، ما منح الناس أملاً في استعادة جزء من توازنهم المعيشي، ولو مؤقتًا. انتظر المواطن طويلًا أن تنعكس تلك التحسنات على واقعه، أن يلمسها في الأسواق، في أسعار الغذاء، في تكاليف النقل والصحة والتعليم، في قدرته على تلبية احتياجات أسرته. لكنه لم يجد سوى خطابات حماسية، وبيانات مفعمة بالوعود، بقيت حبيسة الكلمات، لا تتجاوز أثرها حدود المشاعر.
واليوم، يأتي قرار رفع أسعار الوقود ليقوض ما تبقى من ذلك الأمل. فالوقود ليس سلعة منفصلة، بل هو شريان الاقتصاد، وأي زيادة فيه تنعكس مباشرة على كل شيء: أسعار الغذاء، تكاليف النقل، الخدمات، وحتى أبسط متطلبات الحياة.
ومع غياب الرقابة الفاعلة، يتحول السوق إلى ساحة مفتوحة للاستغلال، حيث يبالغ التجار في رفع الأسعار، مستندين إلى القرار كذريعة، ومضيفين عليه أعباءً مضاعفة.
ولا تقف المخاوف عند حدود الارتفاع الحالي للأسعار، بل تمتد إلى ما هو أعمق وأكثر إيلامًا؛ إذ يدرك المواطن، من واقع تجارب سابقة، أن الأسعار إذا ارتفعت قلّما تعود إلى ما كانت عليه، حتى وإن تراجعت الأسباب التي بُنيت عليها تلك الزيادات. فالسوق، في ظل غياب رقابة حقيقية ومنافسة عادلة، يتعامل مع الارتفاع كفرصة دائمة لا كظرف مؤقت، فتترسخ الأسعار الجديدة وتتحول إلى واقع ثابت، بينما يتآكل دخل المواطن أكثر فأكثر. وهكذا، لا تصبح المشكلة في موجة الغلاء ذاتها، بل في كونها تتحول إلى عبء مستمر، يراكم الأزمات بدل أن يمرّ بها.
قد تُبرر هذه الزيادة بعوامل مثل ارتفاع أسعار النفط عالميًا، وتكاليف النقل والتأمين، وظروف الحرب. لكن المفارقة المؤلمة أن كثيرًا من هذه العمليات تتم داخل البلاد، وعلى أرض وطنية، ما يطرح تساؤلات مشروعة حول حجم التأثير الحقيقي لتلك العوامل، ومدى عدالة تحميل المواطن كامل الكلفة.
في مثل هذه الظروف، لا ينبغي أن يُترك المواطن وحيدًا في مواجهة هذا الطوفان. فالدولة، ممثلة بالحكومة، مسؤولة عن تحقيق نوع من التوازن، عبر سياسات تعويضية تخفف من وقع الصدمة
من أبسط هذه الحلول، إقرار زيادات في الرواتب والأجور تتناسب مع الارتفاع في تكاليف المعيشة، على أن تُنفذ بشكل متزامن مع أي قرارات اقتصادية تمس حياة الناس.
كما أن تفعيل أجهزة الرقابة على الأسواق يعد ضرورة ملحة، لضبط الأسعار ومنع الاستغلال، ووضع تسعيرة عادلة تلتزم بها مختلف القطاعات. ويمكن كذلك التوسع في برامج الدعم المباشر للفئات الأكثر هشاشة، سواء عبر المساعدات النقدية أو دعم السلع الأساسية.
ومن الحلول الممكنة أيضًا، تحسين إدارة الموارد المحلية، خاصة في قطاع النفط والمشتقات، بما يضمن تقليل التكاليف التشغيلية، والحد من الهدر والفساد، وهو ما قد يخفف من الحاجة إلى رفع الأسعار أصلًا. إضافة إلى ذلك، فإن تعزيز الشفافية في عرض أسباب القرارات الاقتصادية، وإشراك الرأي العام في فهمها، يسهم في بناء الثقة، ويقلل من حالة الاحتقان.
في النهاية، لا تكمن المشكلة في القرار بحد ذاته فقط، بل في غياب الرؤية الشاملة التي توازن بين متطلبات الاقتصاد وحقوق المواطن. فالمواطن ليس رقمًا في معادلة، بل هو جوهرها، وأي سياسة لا تضعه في قلب أولوياتها، محكوم عليها بأن تزيد الأعباء بدل أن تعالجها. وفي زمن الأزمات، تُقاس الحكومات بقدرتها على حماية شعوبها، لا بقدرتها على تبرير قراراتها.
