لم تكن زيارة فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، إلى جمهورية جيبوتي الشقيقة، مجرد مشاركة بروتوكولية في مراسيم تنصيب الرئيس إسماعيل عمر جيله، بل جاءت في توقيت سياسي وأمني بالغ الحساسية، تتداخل فيه ملفات اليمن والبحر الأحمر وباب المندب والقرن الإفريقي، وتتصاعد فيه الحاجة إلى تنسيق إقليمي أكثر فاعلية في مواجهة تهديدات الإرهاب والمليشيات المسلحة وأمن الملاحة الدولية.
وصل الرئيس العليمي إلى العاصمة الجيبوتية، ومعه عضو مجلس القيادة الفريق الركن محمود الصبيحي، للمشاركة في مراسيم تنصيب الرئيس إسماعيل عمر جيله لولاية رئاسية جديدة، في مناسبة حضرها ممثلون عن 35 دولة من القادة ورؤساء الحكومات والوفود الإقليمية والدولية، بما يعكس الموقع السياسي المتنامي لجيبوتي في معادلة الأمن الإقليمي والبحر الأحمر.
حملت المشاركة اليمنية أكثر من رسالة. أولى هذه الرسائل تأكيد خصوصية العلاقة اليمنية ـ الجيبوتية، وهي علاقة لا تصنعها السياسة وحدها، بل تعززها الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة، إذ تمثل جيبوتي عمقاً حيوياً وإنسانياً لليمنيين، ونافذة مهمة في ظل ظروف الحرب التي فرضتها المليشيات الحوثية المدعومة من إيران. كما أن حضور الرئيس العليمي في هذه المناسبة عكس حرص القيادة اليمنية على إبقاء اليمن فاعلاً في محيطه الإقليمي، لا مجرد ملف أزمة ينتظر المعالجات من الخارج.
وفي لقائه بالرئيس إسماعيل عمر جيله، انتقلت الزيارة من بُعدها الاحتفالي إلى بُعدها السياسي والاستراتيجي. فقد بحث الرئيسان مستجدات الأوضاع في اليمن والمنطقة، وسبل تطوير العلاقات الثنائية في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، وتفعيل أطر التعاون، وفي مقدمتها اللجنة اليمنية ـ الجيبوتية المشتركة. والأهم أن اللقاء وضع أمن البحر الأحمر وباب المندب في صدارة الأولويات، بوصفه مسؤولية جماعية ومصلحة حيوية مشتركة لا تخص اليمن وجيبوتي وحدهما، بل ترتبط بأمن التجارة العالمية وحركة الملاحة الدولية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن اليمن وجيبوتي يقفان على ضفتي أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ومن هنا، فإن أي اضطراب أمني في اليمن أو القرن الإفريقي لا يبقى محلياً، بل يتحول سريعاً إلى تهديد إقليمي ودولي. ولهذا بدا واضحاً أن خطاب الزيارة ركز على مفهوم “الأمن الجماعي” أكثر من المجاملات الدبلوماسية التقليدية، وعلى ضرورة مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة والتهديدات العابرة للحدود.
كما وضع الرئيس العليمي نظيره الجيبوتي في صورة التطورات الداخلية اليمنية، بما في ذلك جهود تعزيز التماسك المؤسسي، وتوحيد القرار الأمني والعسكري، ومواصلة الإصلاحات الاقتصادية والخدمية بدعم من المملكة العربية السعودية. وهذه الإشارة تحمل مضموناً سياسياً مهماً؛ فهي تقدم صورة اليمن الرسمي باعتباره ماضياً في استعادة مؤسسات الدولة، رغم تعقيدات الحرب والانقسام، وتؤكد أن الشرعية اليمنية تعمل على مسارين متوازيين: ترتيب البيت الداخلي، وحشد الشراكات الإقليمية الداعمة للاستقرار.
أما لقاء الرئيس العليمي بالرئيس الصومالي الدكتور حسن شيخ محمود، فقد وسّع نطاق الزيارة من العلاقات اليمنية ـ الجيبوتية إلى فضاء أوسع يشمل القرن الإفريقي والبحر الأحمر. فقد ركز اللقاء على تنسيق جهود مكافحة الإرهاب، ومواجهة الجماعات والمليشيات المسلحة، وحماية الملاحة الدولية واستقرار المنطقة. كما جدد الرئيس العليمي موقف اليمن الداعم لوحدة الصومال وسيادته وسلامة أراضيه، في رسالة منسجمة مع الموقف اليمني الرافض لأي مشاريع تفكيك أو تهديد لكيانات الدول الوطنية.
هذا اللقاء يكتسب أهميته من أن اليمن والصومال يشتركان في تحديات متقاربة: الإرهاب، هشاشة الأمن البحري، التدخلات الخارجية، وتهديدات الجماعات المسلحة. كما أن الصومال يشغل حالياً موقعاً مهماً في التفاعلات الإقليمية والدولية، بما في ذلك حضوره في مجلس الأمن، الأمر الذي يجعل التنسيق اليمني ـ الصومالي ذا قيمة سياسية ودبلوماسية إضافية.
في المجمل، بدت زيارة الرئيس العليمي إلى جيبوتي قصيرة في زمنها، لكنها مكثفة في دلالاتها. فقد جمعت بين تهنئة رئيس دولة شقيقة، وتأكيد حضور اليمن في مناسبة إقليمية جامعة، وفتح ملفات الأمن البحري، وتعزيز التنسيق مع جيبوتي والصومال، والتذكير بأن استقرار اليمن ليس شأناً يمنياً داخلياً فحسب، بل ركيزة من ركائز استقرار البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
واللافت أن الزيارة أعادت إبراز جيبوتي بوصفها شريكاً محورياً لليمن، ليس فقط من خلال مواقفها السياسية واستضافة الآليات الأممية ذات الصلة بالملف اليمني، بل أيضاً من خلال دورها الإنساني تجاه الجالية اليمنية، وما تقدمه من تسهيلات في مرحلة استثنائية من تاريخ اليمن. وفي المقابل، أكد الحضور اليمني تقدير القيادة لهذه المواقف، وحرصها على تحويل العلاقة التاريخية إلى شراكة أكثر تنظيماً وفاعلية.
خلاصة القول:
زيارة الرئيس العليمي إلى جيبوتي كانت رسالة سياسية بثلاثة أبعاد: تثبيت العلاقات اليمنية ـ الجيبوتية، تعزيز التنسيق الإقليمي حول أمن البحر الأحمر وباب المندب، وتأكيد أن اليمن حاضر في معادلات القرن الإفريقي بوصفه شريكاً في الأمن والاستقرار، لا مجرد ساحة أزمة.
