في اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا يبدو الاحتفاء بهذه المناسبة كطقسٍ رمزي بقدر ما هو لحظة مراجعة صادقة لمعنى المهنة وحدودها وتحدياتها. فالصحافة التي وُصفت طويلًا بأنها “مهنة المتاعب” لم تفقد هذا الوصف، بل ربما باتت أكثر التصاقًا به في زمن تتداخل فيه الحقيقة مع الضجيج، وتتنازع فيه الكلمة بين من يحملها أمانة ومن يوظفها أداة.
ليست الصحافة مجرد نقلٍ للأحداث، بل هي موقف أخلاقي قبل أن تكون مهارة مهنية.
من يختار أن يقول الحقيقة، ويواجه الظلم والاستبداد والفساد والانتهاكات، يدرك أنه لا يعمل في مساحة آمنة، بل يقف في جبهة مفتوحة بين الحق والباطل. هناك حيث تكون الكلمة عبئًا، لا مكسبًا، وحيث يدفع الصحفي ثمن صوته من أمنه وراحته وسمعته أحيانًا.
في هذه الجبهة، لا يملك الصحفي الحقيقي رفاهية الحياد الزائف. فهو لا يكتفي بوصف الواقع، بل يسعى لكشف ما يُراد إخفاؤه، وطرح الأسئلة التي يخشاها أصحاب النفوذ، وملاحقة الحقيقة حتى في أكثر البيئات عداءً لها. ولهذا السبب تحديدًا يتعرض لشتى أشكال القمع: تضييق، تهديد، تشويه، وربما ما هو أقسى من ذلك.
لكن الخطر لا يأتي فقط من خارج المهنة، بل من داخلها أيضًا. إذ أدركت قوى النفوذ أن الكلمة أخطر من أن تُترك حرة، فسعت إلى تطويعها بدلًا من كسرها. وهنا يظهر من يتقمص دور الصحفي، بينما هو في الحقيقة أداة في خدمة أجندات ضيقة؛ يروّج للكراهية، ويغذي العنصرية، ويزرع الشك، ويمارس التدليس، ويصنع الأصنام، ويجمّل الباطل حتى يبدو كأنه حقيقة.
وهنا يتجلى الفرق بوضوح: بين صحافةٍ تواجه لتكشف، وصحافةٍ تُستخدم لتُضلّل.
بين قلمٍ يدفع ثمن كلمته، وقلمٍ يقبض ثمنها. بين من يرى في المهنة رسالة، ومن يراها وسيلة.
إن الدفاع عن حرية الصحافة اليوم لا يقتصر على حماية الصحفي من القمع، بل يمتد ليشمل حماية المهنة نفسها من التشويه والابتذال. فحرية بلا مسؤولية تتحول إلى فوضى، ومسؤولية بلا حرية تتحول إلى صمت.
في هذا اليوم، لا نحتاج فقط إلى الاحتفاء بالصحافة، بل إلى استعادة معناها: أن تكون صوتًا للحق، لا صدىً للقوة؛ وأن تظل مساحة للوعي، لا ساحةً للتحريض. فحين تفقد الصحافة رسالتها، لا يخسر الصحفي وحده، بل يخسر المجتمع بوصلته.
