هطلت أمطار غزيرة جداً في العاصمة عدن خلال أقل من نصف ساعة، لكنها كانت كافية لتحويل الشوارع إلى أنهار وجرف سيارات وممتلكات المواطنين، في مشهدٍ يعكس بوضوح حجم الضعف الكبير في البنية التحتية للمدينة.
ورغم الإنفاق “الفلكي” على مشاريع تطوير الطرقات والبنية التحتية خلال السنوات الماضية، فإنها ظلت عاجزة عن مواجهة واقع بسيط مثل الأمطار. ففي عام 2020 أُعيد تأهيل الطريق البحري بكلفة 223 مليون ريال بطبقة أسفلتية رقيقة دون شبكات لتصريف مياه الأمطار. تكرر الأمر عام 2022 بكلفة 249 مليون ريال لمشروع مماثل، ثم أُعلن عام 2023 عن مشروع تصريف مياه بطول 500 متر فقط من أصل 7 كيلومترات هي طول الطريق البحري، ما ترك معظم الطريق بلا حماية من السيول. وبهذا، تجاوز الإنفاق الكلي مليار ريال، لكن النتيجة كانت "إسفلت فوق إسفلت" بلا حلول جذرية.
نفذت مشاريع عديدة في إعادة تأهيل الشوارع بين المديريات وشوارع داخل المديريات حملت أرقاما فلكية في تنفيذها، واليوم نجدها عاجزة عن تصريف مياه أمطار هطلت لمدة نصف ساعة. ومن المؤكد أن الفرق الفنية التابعة للسلطة على قدر كبير من الخبرة، فهل كانت تقصد أن تظل الشوارع على هذه الكيفية حتى تنهار ويعاد تأهيلها من جديد أم أن هناك أسبابا وازنة أدت إلى حالة الغرق هذه لأمطار متوسطة الشدة؟
لقد سبق التحذير من خطورة هذه المشاريع الهشة، لكن دون أن تجد الأصوات الناصحة آذاناً مصغية. واليوم، جاءت الأمطار لتكشف هشاشة كل تلك الإنجازات الورقية، ولتطرح مجدداً سؤال المسؤولية: من يحاسب؟ وكيف تُدار موارد الدولة؟
ولأجل البدء بمرحلة جديدة تضع حداً لهذه الكوارث المتكررة، فإن المطلوب اليوم حصر جميع المشاريع الخاصة بالطرقات وشبكات تصريف مياه الأمطار منذ عام 2015 وحتى الآن 2025م، وإعادة تقييمها عبر لجان هندسية ومالية مستقلة. كما يجب أن تمتد هذه الجهود إلى محاسبة القائمين على تلك المشاريع، وتقديمهم للقضاء في حال ثبوت أي تجاوزات فنية أو مالية، حتى لا تبقى العدالة حبراً على ورق.
وليس من الصعب أن تجد عدن في تجارب الآخرين ما يلهمها. فقد تمكنت سنغافورة، وهي مدينة استوائية تتعرض لأمطار غزيرة على مدار العام، من تحويل السيول من تهديد إلى فرصة عبر إنشاء قنوات ذكية لتصريف مياه الأمطار وربطها بمشاريع حصاد مائي لتغذية الخزانات الجوفية. كما أن (مسقط في سلطنة عمان)، بعد الفيضانات المدمرة التي سببها إعصار جونو عام 2007، أعادت تصميم بنيتها التحتية بإنشاء قنوات رئيسية تحت الطرق وربطها بخزانات ومضخات حديثة، الأمر الذي حدّ بشكل كبير من تكرار الكوارث.
ولا تقتصر المسؤولية على السلطة وحدها، بل تشمل أيضاً المجتمع المدني ووسائل الإعلام والجهات الرقابية، ليكونوا شركاء في الرقابة والتوثيق، وضمان أن أي مشروع جديد سيكون استثماراً حقيقياً في سلامة المواطنين ومستقبل المدينة، لا مجرد عبء مالي آخر يذوب تحت أول زخّة مطر.