هناك خصائص معينة للقوة الإقليمية يمكن تحديدها باستخدام النمذجة الجغرافية “المركز-المحيط”، لدراسة هرمية المراكز والأطراف (البنية الرأسية) وإسقاطاتها الإقليمية على مستوى (البنية الأفقية). أي أننا سنجد دولة “محورية” في منطقة معينة تجمع بنية الروابط الإقليمية وتُظهر عددًا من السمات المميزة. بتطبيقها على العالم، يُعبَّر عن ذلك بتحديد عدد محدود من المراكز العالمية (القوى العظمى) على الساحة العالمية، وما يلي ذلك من هيكلة للفضاء العالمي بأكمله حول هذه المراكز (حلقات الأطراف). بتطبيقها على نظام إحداثيات إقليمي، يُعبَّر عنه بتحديد مركز محلي للمنطقة على شكل دولة - القائد الإقليمي - وما يليه من هيكلة للفضاء الإقليمي حول هذه الدولة. وهناك مناهج مختلفة لنمذجة علاقات “المركز-المحيط”، مثل المناهج التاريخية والابتكار والإدارية والاجتماعية والاقتصادية، المنهجان الأولان يصفان المكون الديناميكي للعلاقة بين “المركز والمحيط”، في حين يصف المنهجان الأخيران المكون الثابت، وهو نتيجة العمليات الديناميكية، حسب ر.ف. توروفسكي.
وفقًا للمنهج التاريخي، تُعدّ المراكز الإقليمية هي النواة التاريخية لتكوين مناطق معينة. بينما يقترح منهج الابتكار اعتبار المراكز مناطق تُعدّ مصادر ومنتجة لابتكارات محددة. أما المنهج الإداري، فيستخدم مفهوم “التسلسل الإداري”، ويسمح بتصنيف المراكز الإقليمية فقط حسب المناطق التي تتراكم فيها الموارد الإدارية أو المكانة المهيمنة على المنطقة. ووفقًا للمنهج الاجتماعي والاقتصادي، فإن السمة الأساسية للمركز الإقليمي هي مستوى عالٍ من التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ولكي تُعتبر دولة ما قوة إقليمية، يجب أن تستوفي خصائص مركز (أو جوهر) التنمية الإقليمية، بحيث تكون بمثابة الجزء الرئيسي والنشط والأكثر تنظيمًا وتوجيهًا للأهداف في البيئة الجغرافية المكانية والزمانية للإقليم.
ولتوضيح بعض الخصائص الإضافية للمركز الإقليمي، يطبق منهج ثنائي لدراسة التقسيم الطبقي والاستقطاب في الفضاء الإقليمي. ولهذا الغرض، يميز الباحثون بين نوعين من الأقطاب: المبتكر والمحافظ (التقليدي)، حيث يعتبر القطب المبتكر فاعلًا (يُجري توسعًا خارجيًا، مما يؤدي إلى اكتساب محيط)، بينما القطب المحافظ سلبي (منغلق على نفسه، لكنه يمتلك الطاقة لمقاومة الابتكار والعمل كنوع من النواة المضادة في المنطقة).
يرى إدوارد شيلز أن المنهج الإداري يدرس التسلسل الهرمي السياسي والإداري للمراكز والأطراف (أو مراكز ذات أنظمة مختلفة)، لا يمكن أن يكون المركز الإقليمي إلا كيانًا يركز السلطة ويتشارك في نظام قيمه النخب الحاكمة في الدول المجاورة. يقدم شيلز المركز كعالم فريد من المُثل والقيم التي تطمح إلى دور وطني. على العكس من ذلك، يُنظر إلى المحيط باعتباره موضوعًا للتبعية، مما يقلل الفهم الكامل لهذا النوع من العلاقة إلى علاقات مبتذلة بين الذات والموضوع بين الحاكم والمحكوم. يمكن أن تكون إسرائيل في الوضع الراهن مثالا صارخا لمفهوم التابع والمتبوع.
ويرى البعض أن خصائص القوة الإقليمية تسمح بتحديد هذه (المقولة) بوضوح في الهيكل المقترح للعالم. فهي تشمل: وجود خبرة تاريخية ومتطلبات تاريخية وجغرافية واجتماعية واقتصادية عميقة للقيام بدور القائد الإقليمي؛ وإنتاج وتنفيذ أنواع مختلفة من الابتكارات التي تضمن القدرة التنافسية المستمرة والحصول على قيمة إضافية ثابتة؛ ووجود موارد إدارية وتراكم السلطة في أيدي دولة متقدمة معينة في المنطقة؛ ومستوى عالٍ من التنمية الاقتصادية، أي مزيج من الموارد المادية والمالية يتميز بمستوى عالٍ من المؤشرات الاقتصادية: إجمالي الناتج المحلي الحقيقي، الناتج المحلي الإجمالي/الناتج القومي الإجمالي للفرد، الهيكل القطاعي للاقتصاد، إنتاج المنتجات الأساسية للفرد، مستوى ونوعية حياة السكان، مؤشرات الكفاءة الاقتصادية؛ انفتاح ونشاط النظام الاجتماعي، وضمان التبادل الواسع مع الأنظمة الاجتماعية والسياسية الإقليمية الأخرى في مختلف مجالات الحياة، درجة عالية من التطور الصناعي، امتلاك خصائص إضافية، عسكرية، اقتصادية، استراتيجية، حضارية وجيوسياسية. بمعنى أن برامج التسلح عبر الوسطاء مهما بلغت ضخامتها وكلفتها لا تضمن بالضرورة تحول أي دولة قوة مهيمنة، دون أن تكون لها قاعدتها الخاصة من عناصر القوة التي تمنحها حرية الحركة الذاتية لحماية مصالحها.
