نبض القلم
لقد ميز فقهاء الإسلام بين طريقتين في إبداء الرأي هما: - طريقة تؤدى إلى الخلاف - طريقة تؤدي إلى الاختلاف وقالوا :إن الخلاف يكون في الأمر الذي لايستند إلى دليل أما الاختلاف فيكون في الأمر الذي يستند إلى دليل ، فمثلاً لوحكم قاض في مسألة خلافية، ورفع ذلك إلى قاض آخر فإنه يجوز له فسخه لأنه وقع في أمر لايجوز الاجتهاد فيه لمخالفته الكتاب والسنة، في حين أن الاختلاف يكون عادة له ما يصوغه من الحجج والدرائع والدلائل، ولذا فإن الخلاف مرفوض، أما الاختلاف مقبول، اذا ماروعيت ضوابطه. ومن ضوابط الاختلاف أنه لايكون لمجرد الرغبة في المخالفة، بل لغاية سامية ينشدها الطرفان المختلفان، فيأتي كل منهما بحججه المقنعة .والاختلاف أمر نطري في الناس، نظراً لوجود الفوارق الفردية بينهم في القدرات والفهم والمعارف والتصورات والاستيعاب ووجهات النظر، والتفكير والقدرة على العمل ، إلى جانب المؤثرات الأخرى كالبيئة الاجتماعية والثقافية والسياسية.. الخ.والله سبحانه وتعالى يقول:(ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين الا من رحم ربك، ولذلك خلقهم – هود، 118).وحتى لا يؤدى الاختلاف إلى فتنة في الأمة حذر الفقهاء من الخوض في الخلاف المذموم، وحذروا من الجدل في الأمور المخالفة لصريح الوحي الإلهي ،أو التعرض للعقائد وأمور الديانات من غير فهم وأكدوا على أن الفقه في الدين يحتاج عمق ودراسة متخصصة ليكون صاحبه مؤهلاً لإبداء الرأي ، وليس ذلك متاحاً لكل زاعق وناعق واشترط الفقهاء الا يكون الدافع للاختلاف في أية قضية فكرية الهوس الشخصي، او التعالي على الآخرين، او الرغبة في المجادلة والظهور والشهرة، او المخالفة لمجرد المخالفة، مستدلين على ذلك بالحديث الشريف القائل:(من طلب العلم ليجاري به العلماء، او ليجاري به السفهاء، او ليصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار)، (الترمذي، 5/32). كما اشترطوا أن يتوفر في الحوار في الأمور المختلفة فيها صدق النية والإخلاص في السعي للوصول إلى الحقيقة. ولما كان الاختلاف المشروع محكوماً بضوابط وله شروط تحد من غلوائه وانحرافه فإنه لاضير أن يختلف الناس، ولا مانع من أن يتحاوروا بنوايا حسنة، ومقاصد سامية، وفقاً للمبادئ الأخلاقية التي وضعها الفقهاء لإدارة الحوار فيما بينهم، بحيث يستطيع كل واحد أن يعبر عن رأيه بحرية، في الوقت الذي يحق للآخر أن ينتقده وفق أي قناعة فكرية ، ولكن في ظل الثوابت.ومعروف أن المسلمين عاشوا ردحاً من الزمن مستوعبين فقه الاختلاف ، ولم يؤد فقه الاختلاف هذا في ظل الثوابت إلا الاضطراب أو التنازع، كما هو حاصل في عصرنا الحاضر، مالم يكن الاختلاف في الرأي مفسدة تضعف قوة الأخوة بين المؤمنين.والأصل في دعوة الإسلام الاتفاق لا الاختلاف، وفي الأمور التي لا يتم الاتفاق بشأنها، لابد من الالتزام بآداب الاختلاف، ومنها: 1 - تجنب الجدل البغيض والبعد عن الانفعالات المقيتة ، امتثالاً لقوله تعالى:(وجادلهم بالتي هي أحسن) – النحل ،125. 2 - الالتزام بالكلام الطيب، والترفع عن ألفاظ السؤ ، والابتعاد عن التعرض بالآخرين أو ذمهم ، أو قدحهم او الانتقاص من قدرهم ، امتثالاً لقوله تعالى:(لا يسخر قوم من قوم)- الحجرات ،11.3 - احترام الرأي الآخر، والتأدب مع أصحابه ، وإحسان الظن بهم، والثناء عليهم أمام الناس، والتواصل معهم، امتثالاً لقوله تعالى:(اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم) – الحجرات 12.4 - القبول بالرأي الأخر، والرجوع إليه إن كان حقاً، والعدول إليه عند تبين صوابه ، قال عمر لأبي موسى الأشعري :(لايمنعك قضاء قضية بالأمس، فراجعت فيه عقلك، وهديت فيه إلى رشدك أن ترجع إلى الحق، فإذا الحق قديم، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل).وعليه ،فإن الاختلاف المشروع إذا ماتم الالتزام بآدابه فسيكون له منافع كثيرة وفوائد عظيمة منها: - أنه يفتح المجال أمام الفكر الإنساني إلى الافتر اضات التي تستطيع العقول المختلفة الوصول إليها.- إتاحة الفرصة أمام الطاقات الذهنية المبدعة لخدمة الإسلام. - إيجاد الحلول المتعددة لأية واقعة من الوقائع ،ليهتدي بها الناس، لمعالجة مشكلاتهم المختلفة.- أولاً يعطي دليلاً على سماحة الدين ووسطيته ويسره وانفتاحه على الحياة، واستجابته لمتطلبات الحياة ومستجداتها.ولذلك فإن فقه الاختلاف يقتضي من المرء الا يضيق بآراء الآخرين ،ولا يتبرم من أقوالهم المخالفة لأقواله ، ودامت مستقاة من النبع الحق ، كما تقتضي منه التعاطي مع الآراء المخالفة بمرونة، وعدم التشدد إزاءها مادام مقتنعاًً بضوابطها ،أو معززة بالدليل الذي يرجح كفتها. [c1]* إمام وخطيب جامع «الهاشمي»[/c]
