نبض القلم
الأمن مطلب فردي وجماعي واجتماعي وسياسي يسعى الفرد والمجتمع والدول والحكومات والأديان إلى تحقيقه ويبحثون عن الوسائل والآليات التي تخلقه ، وهو ظاهرة ارتبطت بوجود الإنسان ووعيه والمخاطر المحدقة به، والتي من شأنها أن تهدد كيانه ووجوده ، ومن أجل ذلك حاول الإنسان جاهداً أن يبعد عن نفسه شبح الخوف والمخاطر التي تهدد كيانه ووجوده، ولذا بحث عن الوسائل الكفيلة بأمنه وسلامته ، وسعى لتحصين بيئته التي يعيش فيها، سواء بالاعتماد على نفسه أم بالتعاون مع بني جنسه ، وانعدام الأمن في أي مجتمع يجعل الأفراد والجماعات فريسة للمخاوف، التي تترك بصماتها على كافة مناحي الحياة، وتجعل الإنسان في حيرة من آمره، لا يدري ما يفعل ، ويدفعه شعوره بعدم الأمن إلى الاعتداء على غيره اعتقاداً منه أنه بذلك يوفر الأمن لنفسه، وربما لهذا السبب نجد بعض الناس في المجتمعات غير المستقرة يحملون السلاح ليحموا به أنفسهم من أي عدو محتمل ، ولذلك يعد الأمن ركيزة أساسية من ركائز المجتمع المستقر، فهو يستمد استقراره وحضارته من ركيزة الأمن. ولذا فإنه لاغنى للإنسان عن خدمات الأمن، لأنه يضمن بها حريته، ولمجتمعه النظام والاستقرار والسلامة، وليس بخاف أن المجتمعات التي انعدم فيها الأمن، مجتمعات قلقة غير مستقرة ، يسودها الخوف والرعب، ما يضطر كثيراً من ناسها إلى أن يفروا للنجاة بأنفسهم أو يلجؤوا إلى دول أخرى آمنة ، وبالتالي فإن المجتمعات البشرية غير الآمنة مجتمعات مضطربة يغشاها الإرهاب والتدمير، ويعمها الرعب ، وخير مثال على ذلك الصومال والعراق وأفغانستان ، فهي مجتمعات غير آمنة حالياً، وبالتالي ليست مستقرة، وحيث لا يوجد الأمن لا يوجد استقرار ، ولا يمكن لخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية أن تنمو وتزدهر في المجتمعات غير الآمنة ، لأن الخوف والإرهاب يعملان على طرد رؤوس الأموال والاستثمارات من البلد غير الآمن. وعليه فإن الأمن نعمة عظيمة من نعم الله تعالى على خلقه، ويتمتع بالخيرات التي أنعم الله بها عليه، ومن اجل ذلك سنت القوانين التي تكفل للإنسان حقوقه وواجباته ، وتنظم مسؤولياته، حتى لايضطر إلى التنازع والتشاجر أو التقاتل للحصول على حقوقه. ولذا نجد الإسلام قد وضع منهاجاً شاملاً متكاملاً للناس لضمان تحقيق الأمن والاستقرار في المجتمع الإنساني ، ومن أهم دعائم هذا المنهاج مايلي: الأمن للعقيدة: ولذا فإن الإسلام يشدد على توحيد العقيدة في المجتمع الإسلامي ، لتأسيس دعائم الإيمان فيه وتحقيق الأمن. .الأمن للنفس : والمقصود به عدم الخوف والإحساس بالطمأنينة والشعور بالحب والقبول والاستقرار والحماية والرعاية والعناية والانتماء والدعم والمساندة عند مجابهة المواقف الصعبة... الخ. وقد عالج الإسلام مخاوف النفس الإنسانية مثل الخوف من الموت أو نقص الرزق أو عند التعرض للازمات والمصائب ، كما نهى الإسلام عن الخصال السيئة التي قد تؤدي بالإنسان إلى المهالك، مثل : الغيرة والحقد والحسد والنفاق والخداع والمكر والسرقة والحيلة والغيبة والنميمة والكذب.. الخ. الأمن للعقل : ولقد كرم الله الإنسان بالعقل ، وجعل الإنسان أهلاً لاستخدام عقله في الفهم والتفكر والتدبر والوصول إلى الحق، ولذا دعاه للحفاظ على العقل ، فحرم عليه الخمور والمسكرات والمخدرات ، وكل ما من شأنه التشويش على عقله. الأمن للعرض : ومن اجل ذلك حرم الإسلام الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وعمل على تطهير المجتمع من كل ما من شأنه أن يقود إلى الفاحشة ، ودعا إلى العفة والطهر، وفق قوانين وقواعد شرعية حفاظاً على العرض، وإحلالاً للامن. الأمن للمال : فالمال وسيلة هامة لتسيير الحياة، وتسهيل سبل العيش فيها، وقد دعا الإسلام إلى الكسب الحلال للمال بعيداً عن الغش والسرقة والتزوير والميسر والقمار وكل الكسب غير المشروع. فالأمن متلازم مع الإيمان بالله، لأن الإيمان بالله يزكي النفس ويهذبها، ويشعر الإنسان المؤمن بالأمن لأنه في كنف الله، ومطمئن إلى أنه في حماية الله ورعايته ، حتى في أحلك الظروف وأصعبها ، يجد نفسه راضياً بما قسم الله، شاكراً حامداً لله، وفي ذلك يقول الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) : ( عجباً لأمر المؤمن كله خير، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن إصابته ضراء صبر، فكان خيراً له ) والله سبحانه وتعالى يقول: ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) الأنعام ، 82. [c1] * خطيب جامع الهاشمي (الشيخ عثمان)[/c]
