نبض القلم
يختلف الناس في فهمهم للإسلام باختلاف معارفهم العلمية, وقدراتهم العقلية, ومعرفتهم للعربية لغة القرآن والفقه, فالقرآن لا يفهمه كل من هب ودب, وإنما تتطلب معرفته الاطلاع على كثير من العلوم للوقوف على أسباب النزول, والناسخ والمنسوخ, والعام والخاص, والمطلق والمقيد وليس بخاف أن الجهل بهذه الأمور هو الذي أدى إلى ظهور بعض المسائل الخلافية في الفقه الإسلامي, وتسبب في ظهور بعض الفرق الكلامية, والتي كان من بينها من دعا إلى التطرف أو الغلو وروج له, وذلك لقلة زاده الثقافي, وضعف فهمه لدلالة النصوص التي يقرؤوها, وهو ما أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف القائل: "يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسناذ, سفهاء الأحلام, يقولون قول خير البرية, ويقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم, يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" (مسلم,47/2499).إن بعض الناس يقرؤون القرآن وبعض الأحاديث النبوية, ويحاولون تمثلها في واقع حياتهم فلا يجدون في الواقع ما يتفق مع فهمهم للنصوص التي قرؤوها بل يجدون واقعاً مغايراً لها, ومن ذلك على سبيل المثال فهمهم للنهي عن المنكر المنصوص عليه في قوله تعالى: "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر" (آل عمران, 104).فيفهمون النهي عن المنكر فهماً خاطئاً فيلجأون بذريعة النهي عن المنكر إلى اغتياب الناس, والتجسس عليهم وتتبع عوراتهم والتدخل في خصوصيات حياتهم متناسين أن الله سبحانه وتعالى قد نهى عن ذلك بقوله: "ولا تجسسوا" (الحجرات,12)، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه, لا تفتابوا المسلمين, ولا تتبعوا عوراتهم, فإن من اتبع عوراتهم يتبع الله عوراته, ومن يتبعه الله عوراته يفضحه في بيته" (القرطبي, 16/333).وكما فهم بعضهم النهي عن المنكر فهماً خاطئاً فهموا أيضاً تغيير المنكر بنفس المفهوم الخاطئ, فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبقلبه, وذلك أضعف الإيمان" (الترمذي, 2173). إنه لعدم فهم بعضهم فقه الواقع فغالوا في مسألة المنكر وبالغوا في ذلك, حتى وصل الأمر عندهم أن هاجموا البيوت الآمنة, واعتدوا على حرمات ساكنيها, فهذا عبدالرحمن بن عوف يخبرنا عن واقعة من هذا النوع حصلت في عهد عمر بن الخطاب فيقول : طفت ليلة مع عمر بن الخطاب في المدينة, إذ تبين لنا سراج في بيت بابه مغلق على قوم لهم أصوات مرتفعة ولغط, فقال عمر: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف لنرى من فيه فنظروا من كوة في الباب فإذا بهم يرون رجالاً يشربون الخمر, فقال عمر: ما ترى يا ابن عوف؟ قال: أرى أن نباغثهم ونضبطهم متلبسين ألا ترى تلك الفتحة في سطح البيت إن فيها ممر يمكننا الدخول منه دون أن يشعروا بنا, وعندئذ يمكننا ضبطهم متلبسين, فنهره عمر قائلاً: ماذا تقول يا ابن عوف؟! أتريدنا أن نفعل ما نهى الله عنه؟ ألم يقل الله: "ولا تجسسوا" وقد تجسسنا؟! أتريدنا أن نأتيهم من ظهر البيت والله يقول: "وليس البر أن تأتوا البيوت من ظهورها" ألم يقل الله : "وآتوا البيوت من أبوابها" أتريدنا أن نفاجئهم بدخولنا عليهم بغتة, والله يقول: "يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها", فإذا كان هؤلاء قد فعلوا واحدة مما نهى الله عنه فنحن إن فعلنا ما تقول نكون قد عصينا الله خمس مرات: الأولى بالتجسس عليهم, والثانية بدخول البيت من ظهرها, والثالثة بعدم دخول البيت من بابها, والرابعة بإفزاعنا ساكنيها, والخامسة كوننا لم نسلم على أهلها.والتفت عمر إلى صاحبه وأخذ بيده وقال: لنتركهم وشأنهم يا ابن عوف فليس من الصواب أن نغير منكراً واحداً بارتكاب خمسة منكرات.ومثلها ما حدث به أبو قلابة عن عمر بن الخطاب وأبي محجن الثقفي, فقال: حدث عمر بن الخطاب إن أبا محجن الثقفي كان يشرب الخمر مع أصحاب له في بيته فأتاه عمر ودخل عليه, وأنكره, فقال أبو محجن: إن هذا لا يحل لك يا عمر, فقد نهاك الله عن التجسس فخرج عمر وتركه.وقد يسأل المرء: لماذا ترك عمر شارب الخمر في الحالتين ولم يوقع به العقوبة؟ والمعروف عنه أنه كان صارماً في إيقاع العقوبة بشاربي الخمر, وللرد على هذا السؤال نقول: إن عمر بن الخطاب كان يفهم فقه الواقع فهماً جيداً, فهو لا يريد أن يغير منكراً بمنكر, ولا يريد أن يغير منكراً خفياً بمنكر ظاهر, وهو ما يفعله في أيامنا بعض الجهلة بفقه الواقع, فمن لا يفهمون حقيقة الإسلام المتسم بالسماحة والمرونة فيبالغون في تغيير المنكر بارتكاب منكرات أخطر, وأشد ضرراً من المنكر الذي أرادوا تغييره.[c1]- إمام وخطيب جامع «الهاشمي»[/c]
