في (( مولد بلا حمـُّص ))
كنا صغارا حين سمعنا عن الديمقراطية .لم نكن نعي من معناها سوى القليل .كنا نلتقط بعض أحاديث الكبار وهم يصفون الوضع السياسي في شوارعنا .. في مدينتنا .. في بلدنا .لكن مستقبل الانسان بمشاكله وهمومه كان غائبا في كلام المتكلمين عن الديمقراطية !ً. مضى على قيام الوحدة سبعة عشر عاما ، ومنذ اليوم الاول لقيامها دخلنا مرحلة جديدة من مراحل الديمقراطية . صرنا نسمع كثيرا عن هذه الديمقراطية وحرية الانسان ، وعن حقوق المواطنة!..المواطنة بالمعنى البسيط ودون تعقيد هي إنتماء الانسان إلى بقعة أرض ، إلى مكان ثابت يستقر فيه في إطار الدولة ويتمتع بشكل متساو مع بقية المواطنين بمجموعة من الحقوق ، ويلتزم بأداء مجموعة من الواجبات تجاه الدولة التي ينتمي إليها .أما الديمقراطية فهي تعني الحرية والمسؤولية ..بمعنى حق الانسان في التعبير عن آرائه وأفكاره ومطالبه وطموحاته . وحق الدولة والمجتمع في أن يقوم الناس أفرادا وجماعات بالتعبير عن هذه الحقوق بوعي وصدق ومسؤولية بعيدا عن الكذب وبعيدا عن ارتكاب اعمال مخالفة للقانون . لاحظت مع غيري من الشباب ان بعض السياسيين وبعض الذين فقدوا مناصبهم ومصالحهم يستغلون الديمقراطية عبر اعتصامات أو تصريحات بهدف استعادة مناصبهم او التغطية على بعض المخالفات التي ارتكبوها ، أو الحصول على مكاسب سياسية من السلطة .. وكل هؤلاء في الهم ّ سواء .لكن الشباب لهم مطالب تختلف عن مطالب هؤلاء .. ومن حقهم ان يعبروا عن همومهم وتطلعاتهم ومطالبهم .الغريب في الأمر انني وجدت الدولة هي التي تعبر عن مصالح الشباب.نعم الدولة وبالذات أعلى هرم في الدولة وهو الرئيس علي عبدالله صالح الذي كرس بنامجه الانتخابي كل وقته في عدن لحل مطالب الشباب ومعالجة همومهم والتوجيه لصرف أراض لهم وتوفير البنى التحتية في المخططات التي ستحتضن مستقبلهم .كلما سمعت الرئيس عبر الاذاعة والتلفزيون .. وكلما قرأت تصريحاته وأحاديثه في الجرائد أجد همومي ونفسي فيه وكأنه ينطق بهمومنا ويعبر عن مصالحنا نحن الشباب .الديمقراطية الحقيقية لا تعني أن يعتصم المتهمون بجرائم السرقة ويظهرون في الصحف وهم رافعون شعارات ولافتات تطالب بمكافحة الفساد ..كما أنها ليست حكرا على الذين فقدوا مناصبهم ومصالحهم ثم يقومون بالاستفادة من الديمقراطية واختزال مفهومها في البكاء على أطلال مناصبهم الضائعة باسم العمال والعاملات باسم الشعب بينما هم لا يعبرون الا عن مصالحهم الضيقة .لا شك ان هناك متنفذين أساؤوا بممارساتهم للوحدة والديمقراطية وسيادة القانون .. لكن ما يفعله المتاجرون بالديمقراطية والاعتصامات لا يختلف عما يفعله المتنفذون الذين يتاجرون أيضا بالوحدة والديمقراطية .. فجميعهم يسيئ الى الوحدة والديمقراطية والحرية والعدالة والحقوق المشروعة .نحن بحاجة الى استقرار نحقق فيه آمالنا وطموحنا .لا نحتاج الى مزايدات وتصفية حسابات باسم الديمقراطية والحرية ن بينما الهدف من كل ذلك هو الارباك وتخويف المستثمرين وتعطيل التنمية وفتح أبواب المجهول دفاعا عن مصالح ضيقة أو مشاريع سياسية قديمة وجديدة لا تعبر عن همومنا وحاضرنا ومستقبلنا .الشباب هم من يدفع ثمن هذه المزايدات .. لأنهم يتطلعون الى استقرار يجتذب الاستثمار .. والى استثمار يبني المشاريع ويوفر لهم فرص عمل تحررهم من البطالة وشبح الفقر .. وتساعدهم على بدء مشوار حياتهم باقل قدر من الخوف وأكبر قدر من الطموح .الشباب يحتاجون الى مساكن وأراض مخططة وقروض سكنية لضمان مستقبل آمن لهم ، ولا يحتاجون الى مزايدات ومتاجرة بحقوقهم من أجل استعادة مناصب ومصالح ضائعة لغيرهم كما قال رئيس الجمهورية أمام ملتقى الشباب في عدن . .أعرف جيدا ان السياسيين في بلادنا كثيرا ما أخطأوا بحقنا نحن الشباب لآنهم دخلوا في صراعات دمرت حياتهم وحياتنا ..ومارسوا سياسات خاطئة ألحقت الضرر بمستقبلنا نحن أولادهم الذين أصبحنا اليوم شبابا بحاجة الى حياة جديدة لا يتكرر فيها فشل تجاربهم ومشاريعهم التي قادت البلد الى كوارث .نعم أجد نفسي في خطاب الرئيس . ولا أجد نفسي في المزايدات التي سئمناها ، وذقنا المرارة من بعدها .نعم يجد الشباب انفسهم في خطاب الرئيس وهمومه التي هي همومنا جميعا .وارجو ألا يخيب الرئيس ظننا فيه مثلما خاب ظننا ــ من قبل ــ في السياسيين الذي لم يكونوا صادقين مع ابنائهم يوم كانوا يقولون كلاما ُثم يفعلون غيره .لا اكذب حين أقول إنني لا أصدق الذين يتاجرون بالديمقراطية والاعتصامات تحت يافطة الدفاع عن الحقوق .. خصوصا حين ينطبق على بعض هؤلاء المثل الشعبي القائل : (( أسمع كلامك يعجبني .. أشوف أفعالك أتعجب )) !! .لكنني لا أكذب ــ ايضا ــ حين أقول ان الرئيس صادق في اهتمامه بالشباب وقضايا الشباب وحقوق الشباب ، لأنه يراهن على المستقبل .ولذلك يجب ألا نحبط الرئيس ، وألا نستمع لأصوات الذين يحاولون حصر اهتمامه بالنخب السياسية القديمة فقط . قبل فترة كتبت مقالا في هذه الصحيفة طالبت فيه الرئيس ببذل جهد كبير لتحقيق أهم أهداف الثورة اليمنية وهو إزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات ، لأنها أصبحت تزداد وتتسع بشكل خطير يهدد السلام الاجتماعي والوحدة الوطنية . واليوم أطالب الرئيس أيضا بأن يبذل المزيد من الجهد لتقليص وإزالة الفوارق والامتيازات بين الذين يستغلون الديمقراطية للدفاع عن مصالحهم وامتيازاتهم وتحقيق المزيد منها .. وبين الجيل الجديد من الشباب الذي تتسع الهوة بينه وبين أولئك الذين يزايدون باسمهم ويتاجرون بحقوقهم من خلال الضجيج السياسي والاعلامي الذي يتوهمون أنهم سيستعيدون أو سيحققون من خلاله بعض المكاسب والامتيازات على حساب الشباب والعمال الذين اعتادوا دائما ً على الخروج من الموالد السياسية بلا حمـُّص !!
