نبض القلم
إن من يتأمل فيما يدور حولنا من حوار حول قضايا الإسلام المعاصر وغيرها سيجد في كثير من الحالات أن الحوار لا يكاد يبدأ جدالاً بالتي هي أحسن, حتى تتسلل إليه الحدة والغلظة, وتستولي على بعض أطرافه روح الضيق بالمخالفين, وسرعان ما يتهم المتحاورون بعضهم بعضاً, بألفاظ جارحة نابية, وعبارات قاسية, أو يلجأ بعضهم إلى ترك ساحة الحوار إيثاراً للسلامة, وحفاظاً على السمعة والكرامة, وكثيراً ما يلجأ بعض المتحاورين إلى أسلوب دفع السيئة بالسيئة, فيرد على الصيحة بأعلى منها, ويقابل التهمة بمثلها أو أشد منها, ويتخير في ذلك أشد التهم إيلاماً وأكثر العبارات خدشاً للحياء وجرحاً للكرامة, ثم لا تلبث القضية التي يدور الحوار حولها أن تضيع في وسط الصيحات العالية, والشتائم المتبادلة ولم يبق في ساحة الحوار غير خصوم يتبارزون وأشخاص يتناطحون, غاية كل منهم أن ينتصر على خصمه ويهزمه أمام جمهور المستمعين أو المشاهدين, لكي يبقى وحده في الساحة وليس هناك من رأي سوى رأيه.ولعل هذا المنهج الفاسد في الحوار هو السائد حالياً في الحوار الديني خصوصاً والحوار الثقافي عموماً, مع أن المسلمين عاشوا ردحاً من الزمن مستوعبين ثقافة الاختلاف وملتزمين بآداب الحوار, فلم تؤد ثقافة الاختلاف في ظل الثوابت إلى الاضطراب والتنازع كما هو حاصل في عصرنا الحاضر, كما لم يؤد الحوار إلى إفساد قوة الإخوة بين المسلمين, لأن هناك آداباً للحوار التزموا بها وجملة من الضوابط تقيدوا بها ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر مايلي:1 - أن يكون الحوار بينهم قائماً على الصدق وتحري الحقيقة بعيداً عن الكذب والسفسطة والأوهام, ولقد ساق القرآن الكريم ألواناً من الحوارات التي دارت بين الرسل وأقوامهم وبين المصلحين والمفسدين ومن يتدبرها يرى الأخيار فيها لا ينطقون إلا الصدق الذي به يدفعون أكاذيب محاوريهم ويبطلون به زيف خصومهم.2 - التزام الموضوعية في الحوار, والمقصود بها عدم الخروج عن الموضوع الذي يدور حوله الحوار, أو الذي هو موضع الخلاف أو النزاع.. فإنه آفة الحوار في أيامنا أن كثيراً من المتحاورين إذا ما شرعوا في مناقشة موضوع معين, فإنهم يعمدون إلى ما يسمى بخلط الأوراق, بحيث لا يدري العقلاء ممن يستمعون إليهم في أي شيء هم مختلفون فيدخلون في فروع لا تجد لها أصولاً, وفي خضم ذلك تضيع الحقيقة.3 - إبراز الدليل الناصع, والبرهان القاطع, والمنطق السليم, الذي به يلجم المكابر ويلقم المعاند حجراً يجعله لا يستطيع أن يمضي في جداله.4 - أن يكون قصد كل طرف من أطراف الخلاف، إظهار الحق, وبيان الصواب في الموضوع الذي هو موضع الاختلاف وقد يكون الإظهار للحق على يد الطرف المخالف, وهذا ما يبدو واضحاً في اختلاف الصحابة وفي محاوراتهم في كثير من القضايا ومن ذلك مثلاً تلك المحاورة التي دارت بين أبي بكر وعمر( رضي الله عنهما) حين اختلفا في مسألة الأمر بجمع القرآن,بعد وفاة النبي ( ص ) فقد كان أبو بكر غير مقتنع في أول الأمر بجمع القرآن، فأمتنع عن جمعه فلما أقنعه عمر برأيه, ما كان من أبي بكر إلا النزول عند رأي عمر, والموافقة على جمعه, كما اختلفا في شأن قتال المرتدين الذين امتنعوا عن دفع الزكاة, وتحاورا في ذلك فكان أبوبكر يرى وجوب قتالهم في حين كان عمر يخالفه الرأي في ذلك, ولما أقتنع عمر برأي أبي بكر رجع عن رأيه إلى رأي أبي بكر.5 - التزام الأسلوب المهذب في الحوار والابتعاد عن كل مالا يليق قوله وتجنب الغرور والاستعلاء على الخصم.6 - إفساح المجال أمام الطرف الآخر في الحوار ليعبر عن رأيه بحرية, وإبداء وجهة نظره دون مصادرة لقوله أو إساءة إلى شخصه أو إخافته, وفي الوقت نفسه التزام كلا الطرفين المتحاورين بالتحاور بأسلوب مهذب, وبمنطق سليم, ويحرص كل منهما على أن يحترم الآخر, بحيث لا يفسد الخلاف للود قضية.[c1]* إمام وخطيب جامع الهاشمي - الشيخ عثمان[/c]
