صباح الخير
سؤال أضعه أمام الذين يريدون أن يشقوا الصف ويعملوا على إفساد ذات البين وتفريق كلمة الأمة التي توحدت منذ (17) عاماً بعد أن كثر الجدل هذه الأيام حول قضية الوحدة وتشكيك البعض فيها كمبدأ وكقيمة, وأنها ليست من الثوابت التي يحرم الاقتراب منها أو المساس بها أو إعادة النظر فيها وأنها ليست من الخطوط الحمراء أو الصفراء أو الزرقاء وأنها ليست صنماً مقدساً وأنها ليست حائط مبكى.. وأنها.. وأنها... الخ.بادئ ذي بدء فإن الإنسان – كما قال إبن خلدون – : "كائن اجتماعي بطبعه, لا يستغني عن الآخرين وليس كائناً وحشياً أو مقطوعاً عن الأمة والجماعة".وهذه الأمة ربها واحد ودينها واحد وأصل الإنسانية واحد ونبيها رحمة للعالمين ومن معاني الرحمة (الصّلة) كصلة القرب والرحم وهذا الرب قد جعل من أصل البشرية شعوباً وقبائلاً ليتعارفوا فيما بينهم وهذا التعارف هو نوع من الالتقاء الروحي والحوار الإنساني والتآلف والتعاطف والتراحم والتلاحم والتعاون والتماسك والتلاقح والتثاقف والعودة مرة أخرى إلى الجذر الإنساني المشترك والمصير المشترك الآدمية أو الإنسانية والجامع الحقيقي والموحد للناس جميعاً هو الخالق العظيم لهم القائل في محكم التنزيل : (لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم) (63) الانفال.ألف بينهم بفضله ورحمته وجمع بين كلمتهم بقدرته فأحدث بينهم التِّواد والتحاب وأماط عنهم التباغض والتماقت والشحناء والشقاق والشطط والتطرف والابتعاد والتفرق والتمزق والفسوق الذي من معانيه : الخروج والتمرد والقطع والفصل.إن ديننا العظيم يغرس في النفوس الشعور بروح الجماعة والأمة في كل أحكامه وتعاليمه وهذا يدل على حرص الإسلام على الوحدة والجماعة بما فيها السياسة التي هي من الدين (يد الله مع الجماعة), (الجماعة رحمة أو بركة والفرقة عذاب), (عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فأن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد, من أراد بحبوبة الجنة فليلزم الجماعة), (إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويسخط لكم ثلاثاً: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تتفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم..) إلى آخر الحديث الذي رواه الإمام مسلم, (الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف), (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً), (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ولا ننسى أولاً وأخيراً الآيات القرآنية الكريمة التي تحض على الاعتصام بحبل الله وعدم التفرق: "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها.." (103) (آل عمران).وإن كان هذا التآلف في الدين وفي العقيدة كأصل من الأصول إلا أنه ينسحب على أمور الدنيا كالسياسة باعتبارها فرعاً من ذلك الدين والمتدبر للآية الآنفة الذكر سيلحظ بأن توحيد الكلمة لا ينفك ولا ينفصل عن كلمة التوحيد..!!فعلى الذين يريدون شق الصف أن يدركوا بأن الخير في الجماعة وللجماعة والأمة وأن الأمور ليست كما يعتقدون صراع مصالح فردية ضيقة, وأن الولاء لله سبحانه أولاً ثم الأمة قبل أن يكون للفرد أو القبيلة.فمجتمعنا مجتمع إسلامي ودستوره مستمد من الشريعة الإسلامية التي تدعونا لنبذ الخلافات والنزاعات والاحتكام إلى الأساليب الشوروية والحضارية البعيدة عن الفردية المطلقة والعصبية الجامحة والشرود عن الجماعة والأمة.إن الوحدة كالمحبة من صنع الخالق العظيم مؤلف القلوب وموحدها ومقلبها نسأله أن يثبت قلوبنا على دين الإسلام وكلمة التوحيد وأن يصلح ذات بيننا ولا يفرق بين كلمتنا وأن يحفظ وحدتنا وأن يهدي ويصلح ولاة أمورنا لما فيه الخير للجميع إنه ولي ذلك والقادر عليه.وتأسيساً على ما سبق فإن كل أقوالنا وأفعالنا الخيرة في هذه الحياة الدنيا من أجل مرضاة الله وعبادة له وهي من الدين بما فيها أقوال وأفعال السياسة مصداقاً لقوله تعالى : "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين.." (162) الأنعام.علم ذلك من علم وجهل ذلك من جهل وصدق ذلك من صدق وكذب ذلك من كذب.
