المحامي د . حسن مجلي يوضح :
فوجئ المواطنون اليمنيون بشعار ((غير مفهوم)) بثته الفضائية اليمنية مساء الخميس الماضي 29 نوفمبر، على نحوٍ يخالف الشعار الوطني الذي تمّ اعتماده للاحتفال بالعيد الأربعين للاستقلال. حيث تمّ شطب عبارة العيد 40 للاستقلال واستبدالها بعبارة العيد 40 للجلاء. وقد أثار ذلك الشعار استياءً واسعاً من قبل الكثير من المشاهدين في صنعاء وعدن وتعز وحضرموت والحديدة وزنجبار والضالع وغيرها من المدن اليمنية، ما أدى إلى وقف بث هذا الشعار، وإعادة بث الشعار المعتمد.وكان المحامي الدكتور حسن مجلي ــ الأستاذ في جامعة صنعاء والمحامي المترافع أمام المحكمة العليا ــ واحداً من الذين أزعجهم استبدال كلمة الاستقلال بكلمة الجلاء على نحوٍ ما جاء في الشعار الذي بثته الفضائية اليمنية مساء الخميس الماضي، حيث اتصل بالصحيفة موضحاً الفرق بين الجلاء والاستقلال قائلاً :الجلاء يفترض وجود قوات أجنبية على أرض دولةٍ مستقلةٍ ذات سيادة وشرعية دولية لحمايتها من مخاطر لا تستطيع مواجهتها اعتماداً على جيشها الوطني فقط ، مشيرا الى أنه عندما لا تـُعد هناك حاجةً لها أو ضرورة لاستقبالها، فإنّ الدولة المستقلة وذات السيادة التي استعانت بقواتٍ أجنبيةٍ لحماية بلدها من مخاطر مفترضة، تطلب من الدولة الأجنبية المستعان بحمايتها إجلاء قواتها عن أرض الدولة الموجودة فيها، بعد زوال أسباب ومبررات الاستعانة بهذه الحماية. وذلك كما حدث في مصرَ حيث طلبت الحكومة المصرية رسمياً جلاء القوات البريطانية عن أراضيها عام 1954م بعد ثورة 23 يوليو. وكما حدث أيضاً في السعودية عندما طلبت الحكومة السعودية إجلاء القواعد الأمريكية التي أُقيمت في حدودها الشرقية بعد غزو الكويت من قبل العراق عام ا1990م .. كما يمكن أن يحدث ذك إذا طلبت دولة قطر المستقلة ذات السيادة من القوات الأمريكية سحب قواعدها والجلاء عن أراضيها .. ويتم الجلاء فوراً بمجرد أن تطلب الدولة المستقلة ذات السيادة جلاء القوات الأجنبية عنها بعد زوال مبررات وجودها، دون الحاجة إلى مقاومة وجود تلك القواعد التي تكتسب شرعيتها القانونية والدولية من كونها جاءت بناء على طلب من الحكومة الشرعية لدولة مستقلة وذات سيادة بهدف حمايتها من مخاطر خارجية.أما الاستقلال فإنّه يعني أنّ بلداً ما كان مستعمراً من قبل قوات أجنبية تابعة لدولة أخرى، ثمّ أنّه ونتيجة لهذا الاحتلال قام شعب ذلك البلد المحتل بمقاومة القوات المحتلة بواسطة الكفاح المسلح من قبل الثوار الوطنيين الذين يعبرون عن إرادة شعب البلد المحتل، الأمر الذي يجبر الدولة الاستعمارية المحتلة على الاعتراف بالثوار كممثلين عن الشعب والتفاوض معهم بشأن مغادرة الوطن المحتل مع كافة قواتها ومعداتها العسكرية، ومنح البلد الذي كان يقع تحت الاحتلال استقلالاً والاعتراف بدولته المستقلة. وذلك كما حدث في الشطر الجنوبي من اليمن سابقاً، عندما استمر الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني حقبة من الزمن أعلنت بعدها بريطانيا اعترافها بالثورة الشعبية المسلحة واستعدادها للانسحاب من الجنوب اليمني المحتل سابقاً ومنحه استقلاله. وقد تمّ التفاوض بين ممثلي الثوار وممثلي الحكومة البريطانية في مدينة جنيف بسويسرا التي جرى فيها التوقيع على وثيقة الاستقلال في ظهر يوم 29 نوفمبر 1967م، حيث أكملت القوات الاستعمارية البريطانية انسحابها قبل غروب ذلك اليوم، بانزال العلم البريطاني بعد 129 عاما من الاحتلال وسط مراسيم عسكرية ميدانية تمت في منطقة المملاح بحي خورمكسر تمهيداً لرحيل آخر مروحية عسكرية بريطانية أقلت آخر جنود قوات الاحتلال الى حاملة الطائرات البريطلنية ( إيجل ) . كما تم الاعتراف الرسمي بهذا الانسحاب ونهاية الاستعمار بعد ساعات قليلة من رحيل أخر جندي استعماري على آخر مروحية عسكرية بريطانية ، وتم اعلان هذا الانسحاب رسميا في الدقيقة الأولى من يوم 30 نوفمبر 1967م بصدور بيان من وزارة الخارجية البريطانية اعترفت فيه باستقلال الجنوب ، تلاه اعتراف مصر بالدولة الجديدة المستقلة بعد نصف ساعة من اعتراف الحكومة البريطانية.وتأسيساً على ذلك، لا يجوز وصف رحيل القوات الاستعمارية عن عدن بأنّه جلاء، لأنّ رحيل تلك القوات كان تنفيذاً لمفاوضات الاستقلال، بعد كفاح وطني سياسي ومسلح طويل المدى عمده شعبنا اليمني بالدماء والشهداء والتضحيات، ولم يتم بناءً على طلب من حكومةِ دولةٍ مستقلة ذات سيادة كانت تستعين بحماية من قوات تابعة لدولة أخرى مستقلة ذات سيادة أيضاً.
