نبض القلم
من خصائص الخطاب الديني المتشدد الخوف المضمر من ضياع الهوية، والانكفاء على الذات، ورفض الانفتاح على الآخر، والخشية من التواصل مع الثقافات والحضارات الأخرى، والسير في طريق الانغلاق والبعد عن طريق الاجتهاد، وعدم الاعتراف بفقه التحويلات الذي تحتمه المتغيرات المتسارعة في عالم اليوم، فانحسرت مساحة التعدد، وانتشرت ظاهرة الواحدية على اختلاف صفوفها في أوساط الشباب والناشئة، ممن تم تعبئة أذهانهم بمفاهيم خاطئة عن الدين، أنطلاقا من الالتزام بواحدية امتلاك الحقيقة وواحدية المرجعية، وواحدية الرأي وواحدية المسار وواحدية المسؤولية، ونشبت من جراء ذلك صراعات مذهبية جادة اتسمت بالطابع الالغائي، وتكفير المذاهب بعضها بعضا، لأن كلا منها تظن انها وحدها تمتلك الحقيقة، ولاتسمح لاتباعها الاختلاط بالمخالفين حتى لايتأثروا بهم، واتخذوا لأنفسهم مرجعية دينية واحدة لضمان عدم الخروج عن المذهب، والابقاء على واحدية الرأي وواحدية المسار، وقد نتج عن ذلك نشوء سلطة دينية داخل كل مذهب، لتأكيد واحدية المرجعية، واضفت هذه السلطة على نفسها طابع القداسة لدى اتباعها، لضمان واحدية الرأي، ولم تسمح بممارسة الديمقراطية والمناقشة الحرة وتبادل الآراء حتى لايحصل تنافر بين الأتباع وتتعدد المسارات.وقد نتج من جراء الخطاب الديني المتسدد ظهور أنماط مختلفة من العنف ادت الى الابتعاد عن جادة الصواب، ومن صنوف العنف الناجم عن الخطاب الديني المتشدد ما يمكن تسميته بالعنف مع الذات، وهو ما حدا ببعضهم ان يرفع السنة الى مرتبة الفرض، من حيث الالتزام والمشروعية÷ فكلفوا أنفسهم فوق طاقتهم، سواء في العبادات او في الأعمال الاخرى.وقد شق هذا العسير على بعضهم فتركوا الفروض، وخرجوا بذلك عن جادة الصواب.وهناك نوع آخر من العنف الناجم عن الخطاب الديني المتشدد، مارسه المتشددون ضد عقولهم وإرادتهم، فقد حاول بعضهم بدون وعي تجاهل النصوص الدينية التي تخاطب العقل، وعملوا على الغاء التفكير المنطقي في الاشياء والمحيط، واعتبروا التعاطي مع مستحدثات العصر نوعا من الخطيئة فحرموا مشاهدة التلفزيون، وعملوا على إيقاف التطور الحضاري، ووضعوا قيودا كثيرة لحرية الإرادة.ومن وحي الخطاب الديني المتشدد مورس نوع من العنف ضد المرأة لتأكيد السلطة الذكورية، فنظروا الى المرأة نظرة دونية، واتهموها باغواء الرجل، وعملوا على حظر نشاطها الاجتماعي، وحدوا من حركتها، وأحرموها من كثير من حقوقها باسم الدين، والدين من ذلك بريء، فقد اعطى الاسلام للمرأة حقوقا لم تحصل عليها في المجتمعات الاخرى، غير أن الخطاب الديني المتشدد عمد إلى إلغاء تلك الحقوق فوقع في خطأ جسيم.ومن أخطاء الخطاب الديني المتشدد لجوء بعض الدعاة الى اسلوب الترهيب، وإسقاط أسلوب الترغيب، فاتسمت خطاباتهم بالتهديد والوعيد، واقتصر حديثهم على الأمر والنهي المقترن بالتعنيف والصراخ، والنظر الى المخالفين نظرة عدائية، بدلاً من الإقناع عن طريق الحوار، والدعوة الى الله بالتي هي أحسن.ومما ساعد على بروز ظاهرة الخطاب الديني المتشدد وجود بعض الكتب التي سعى بعض المغرضين من أعداء الإسلام للترويج لها في أوساط بعض الشبان من طلبة العلم والعمل على نشرها في أوساط العامة، وتحتوي بعض هذه الكتب على عدد من الاحاديث الضعيفة التي لم يعرها العلماء في الماضي أي اهتمام، ولم يعملوا على نشرها بين العامة، وزعم بعض المتشددين ان هذه الاحاديث التي كانت مصنفة ضمن الاحاديث الضعيفة قد تم تصحيحها من قبل بعض علماء الحديث المستجدين وبالتالي عملوا على الترويح لها في اوساط العامة، وبالذات تلك التي لها علاقة بالصلاة وأحكامها، كالحديث المتضمن النهي عن الصلاة بين السواري .. وغيره، فقد بالغ الخطاب الديني المتشدد في النهي عن الصلاة بين السواري بصرف النظر عن سعة المسجد أو ضيقه، فأوقعوا الناس في حيرة من أمرهم، إذ أن الفقهاء لم ينكروا ذلك عبر العصور، لأن في الدين سعة، وفيه سماحة، غير أن الخطاب الديني المتشدد اعتبر ذلك من الامور المنكرة التي لابد من تغييرها، فأحدث فتنة في المساجد وأثار موجة من الصراعات والخلافات بين المصلين، في مسألة مختلف فيها او فيها رجحان، من خلال التشبث بالجزئيات وإهمال الكليات.والمتأمل في كثير من النصوص الشرعية سيجد أن هناك بعض القضايا أُخرت وكان يجب تقديمها، وقضايا أخرى قدمت وكان يجب تأخيرها، لأن مقتضى الحال كان يستوجب ذلك، فالاعتدال مطلوب في كل الظروف والأحوال، أما التشدد في الأمور المختلف فيها فذلك هو الغلو بعينه، وهو ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : "فإنما أهلك من كان قبلكم باختلافهم على أديانهم" (رواه أحمد).[c1]* إمام وخطيب جامع الهاشمي[/c]
