لم يكن قرار مجلس الأمن بإنهاء بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة «أونمها» مجرد خطوة إجرائية أو مراجعة تقنية لبعثة أممية استنفدت زمنها، كما يحاول البعض تقديمه في الخطاب الدبلوماسي الرسمي. بل إن هذا القرار، إذا ما قُرئ في سياقه السياسي والأمني الأوسع، يحمل دلالة أعمق بكثير: إنه إعلان غير مباشر عن فشل نموذج «الإدارة الجزئية للنزاع»، وبداية تحوّل في طريقة فهم المجتمع الدولي للصراع في اليمن، ولمعادلة الردع، ولموقع البحر الأحمر وباب المندب في منظومة الأمن الإقليمي والدولي.
الحديدة كمنطقة استثناء وفشل التجميد
منذ توقيع اتفاق ستوكهولم نهاية عام 2018، جرى التعامل مع الحديدة بوصفها «منطقة استثناء» مجمّدة سياسيًا وعسكريًا. تم تجميد الجبهة هناك لا حلّها، وتعليق جوهر الصراع بدل معالجته. لكن ما حدث فعليًا هو العكس: تحوّلت الحديدة إلى مساحة رمادية تُدار عبر بعثة أممية محدودة الصلاحيات، بينما استثمر الحوثيون هذا الجمود لتحصين مواقعهم وعسكرة الموانئ وتحويل المدينة إلى منصة ضغط وابتزاز. وبمرور الوقت، أصبحت «أونمها» منطقة عازلة سياسية تحمي الأمر الواقع بدل تغييره.
نهاية نموذج الإدارة الجزئية للنزاع
إنهاء «أونمها» يعني نهاية نموذج كامل في إدارة الصراع اليمني: نموذج يقوم على تجميد جبهة واحدة وتحييد ملف استراتيجي على أمل تهدئة عامة. هذا النموذج أثبت فشله لأنه لم يعالج جذور الصراع بل ساهم في تكريس اختلال ميزان القوة، وربط مصير الموانئ اليمنية بأجندات إقليمية عابرة للدولة.
لقد جرى التعاطي مع الحديدة كملف منفصل عن السياق الوطني الأشمل، وكأن تجميدها يمكن أن يمنع تمدد الصراع أو يخفف من حدته، بينما الواقع أثبت أن تجميد الجبهات دون معالجة البنية السياسية والاجتماعية للصراع لا يؤدي إلى الاستقرار، بل يفاقم حالة التعليق ويحوّل مناطق التجميد إلى بؤر توتر كامنة.
البحر الأحمر بين الردع البحري والردع الداخلي
التحوّل الأهم اليوم أن البحر الأحمر لم يعد ممرًا تجاريًا محايدًا بل مسرحًا مباشرًا للصراع الجيوسياسي. الهجمات الحوثية وتهديد الملاحة والتحشيد العسكري الأمريكي تؤكد أن الردع البحري وحده غير كافٍ. فالقوة البحرية تحتوي التهديد مؤقتًا لكنها لا تفكك جذوره. الردع الحقيقي يجب أن يُبنى داخل اليمن عبر استعادة السيادة وتمكين الدولة وربط الأمن البحري بالأمن المجتمعي والوطني.
التصعيد الإقليمي وإعادة فتح الملف اليمني
التحشيد العسكري الأمريكي واحتمالات توجيه ضربة لإيران يعيدان اليمن إلى قلب المعادلة الإقليمية. فاليمن ليس ساحة هامشية بل إحدى ساحات الصراع غير المباشر. الحوثيون جزء من شبكة إقليمية، وأي تصعيد مع إيران سينعكس بالضرورة على البحر الأحمر وباب المندب.
في هذا السياق، تصبح الحديدة أكثر من مجرد مدينة ساحلية أو مرفق اقتصادي، بل نقطة ارتكاز في معادلة الردع الإقليمي، حيث تتداخل الحسابات المحلية مع توازنات القوى الدولية، ويعاد طرح سؤال السيادة اليمنية بوصفه جزءًا لا يتجزأ من أمن الممرات البحرية العالمية.
الخلاصة الاستراتيجية
إنهاء «أونمها» ليس إجراءً إداريًا بل إشارة استراتيجية إلى أن المجتمع الدولي بدأ يدرك حدود النموذج الذي اتبعه في اليمن. لا استقرار في البحر دون استقرار على اليابسة، ولا ردع دون دولة، ولا أمن للممرات الدولية دون سيادة وطنية حقيقية. الحديدة لم تعد جبهة مجمّدة بل إحدى بوابات الصراع الرئيسية في لحظة إقليمية مفصلية.
تنويه: هذا النص هو النسخة العربية التحليلية المنقّحة والموسّعة للمقال المنشور باللغة الإنجليزية في مجلة The Washington Outsider بتاريخ 27 يناير 2026.
