وقد حذّر تحليلي المنشور في Eurasia Review في نوفمبر 2025 من تحول البحر الأحمر إلى «ممر صراع» بفعل الفراغ السيادي. واليوم يتأكد أن المشكلة لم تكن في البحر ذاته، بل في غياب الدولة القادرة على ضبط العلاقة بين الجغرافيا والسيادة.
الممر الأحمر: من تجميد الصراع إلى إعادة إنتاجه
منذ اتفاق ستوكهولم، تحولت الحديدة إلى نموذج لإدارة الصراع عبر التعليق بدل الحسم، ما أتاح لأطراف غير دولية تحويل حضورها إلى مورد سياسي واقتصادي.
وفي هذه البيئات، تُقاس السيطرة بالقدرة على تحريك تدفقات الوقود والسلاح والمال، ليصبح الممر البحري عنصرًا في استمرار الصراع لا مجرد مسرح له.
إن إنهاء «أونمها» كشف حدود إدارة الأزمة بدل حلها، وأعاد السؤال الجوهري: من يملك القرار على الساحل؟
الدولة واستعادة المعنى الاستراتيجي للجغرافيا
يبدأ استقرار البحر الأحمر من استقرار الدولة اليمنية القادرة على تحويل الساحل إلى خط دفاع سيادي، والمضيق إلى مرفق عبور، والميناء إلى اقتصاد دولة لا اقتصاد حرب. فالجغرافيا لا تستعيد معناها الاستراتيجي بذاتها، بل بقدرة الدولة على إدارتها ضمن رؤية سيادية متماسكة تعيد ربط الأمن البحري بوظيفته الوطنية.
ومن دون ذلك، سيظل البحر عرضة لدورات تصعيد دون حسم، ويبقى السؤال الجوهري: أي دولة ستنهض لتمنع تحويل البحر إلى امتداد لصراع الداخل؟ إن استعادة هذه الوظيفة السيادية لا تمثل خيارًا سياسيًا فحسب، بل شرطًا بنيويًا لإخراج البحر الأحمر من دائرة الاستخدام الوظيفي في صراعات الآخرين، وإعادته إلى موقعه الطبيعي كرافعة استقرار وازدهار.
الخاتمة
والأخطر في هذه اللحظة أن «اقتصاد البحر» صار يعمل كاقتصاد حرب عابر للضفتين: شركات واجهة، وسلاسل توريد رمادية، ووسطاء نقل وتمويل، تُحوِّل أي هدنة إلى فرصة لإعادة التموضع لا لبناء السلام. ومع تراجع أدوات الرقابة الدولية، تتسع فجوة المساءلة، فتتحول الكلفة إلى كلفة صامتة تتحملها شرعية الدولة وسمعتها وقدرتها على اجتذاب الاستثمار وإعادة تشغيل الموانئ وفق معايير شفافة.
ولهذا فإن الاستجابة الأكثر فاعلية ليست في تكثيف الدوريات وحدها، بل في بناء «حزمة سيادية» متكاملة: إدارة موحدة للسواحل والموانئ، قواعد صارمة لمكافحة التهريب وغسل الأموال، منظومة جمارك حديثة، وتنسيق قانوني وأمني يربط أمن الممرات البحرية بإصلاح مؤسسات الدولة على اليابسة. فعندها فقط يصبح الردع البحري سندًا لسيادة وطنية، لا بديلًا عنها.
وفي هذا السياق، يأتي هذا المقال تطويرًا وتحليلًا مُحدّثًا لرؤيتي المنشورة في Eurasia Review بتاريخ 10 نوفمبر 2025، والتي حذّرت من تحول البحر الأحمر إلى ممر صراع بفعل غياب الشرعية وتوسع شبكات الوكلاء، تأكيدًا على أن الأمن البحري المستدام يبدأ بدولة مستعادة الوظيفة والسيادة، لا بمجرد إدارة التهديد من الخارج.
