وقد أسهمت التشكيلات الأمنية التي نشأت خلال سنوات الحرب في سدّ الفراغ وضبط المدن والمنافذ، لكنها ظلّت تعمل خارج البنية المؤسسية للدولة. ومع مرور الوقت تحوّلت – على الرغم من أدوارها المهمة – إلى أحد أبرز معوقات بناء جهاز أمني وطني موحد، نتيجة انقسام القيادات وتعدد مصادر التمويل وغياب مركزية القرار.
الأمن كمرآة للحوكمة
الأمن هو المؤشر الأكثر صدقًا على مستوى الحوكمة في أي دولة. فعندما تتراجع كفاءة الإدارة العامة ويتآكل نفوذ القانون، تتحول أجهزة الأمن من أداة ضبط إلى أداة نفوذ أو قهر، ويزداد اعتمادها على الولاءات الفرعية بدلًا من المعايير المؤسسية. ولهذا لا يقاس إصلاح القطاع الأمني فقط بعدد الوحدات أو مستوى التجهيزات، بل بمدى خضوعه لمعايير الشفافية والمساءلة والرقابة المدنية، وبقدرته على الارتقاء من مجرد جهاز ميداني إلى مؤسسة حقيقية تعكس حضور الدولة وتنفيذها للقانون.
ويستدعي هذا إصلاحات جوهرية تشمل:
- توحيد القرار الأمني على المستوى الوطني ضمن قيادة واضحة لا تتنازعها مراكز نفوذ، وبما يضمن وحدة السيادة والمعايير وآليات صنع السياسة الأمنية.
- الفصل الدقيق بين المهام العسكرية والشرطية والمدنية بما يمنع التداخل والتسييس واختلاط الأدوار.
- تأهيل الكادر الأمني وتعزيز المهنية والولاء المؤسسي لضمان أن تكون القوة الأمنية أداة سيادة للدولة لا امتدادًا لمراكز النفوذ.
الأمن والعدالة: وحدة الوظيفة ووحدة الدولة
لا أمن بلا عدالة، ولا عدالة بلا مؤسسات قادرة على تنفيذها. فاستقلال القضاء لا يكتمل إن لم تكن هناك أجهزة تنفيذية تضبط وتنفّذ الأحكام بكفاءة وبإشراف قضائي. وفي المقابل، يفقد الأمن شرعيته حين يبتعد عن سلطة النيابة والقضاء أو حين تُدار عملياته بعيدًا عن معايير المشروعية.
ولتحقيق هذا التكامل يجب:
- تفعيل الشرطة القضائية وربطها المؤسسي بالمحاكم.
- تحديث العلاقة بين النيابة العامة والأجهزة الأمنية عبر مسارات واضحة ورقمنة الإجراءات.
- تعزيز الرقابة القضائية على إجراءات القبض والتحقيق لضمان الحقوق ومنع التجاوزات.
إن العلاقة بين الأمن والعدالة ليست علاقة تنسيق إداري؛ بل هي العلاقة التي تتحدد بها هوية الدولة ذاتها: دولة قانون أم دولة نفوذ؟
اللامركزية الأمنية والحوكمة المحلية
لا يمكن بناء أمن مستدام من مركز واحد؛ فالمواطن يتعامل يوميًا مع أجهزة الشرطة والمحليات، لا مع الوزارات البعيدة في العاصمة. ومن هنا تبرز أهمية تمكين السلطات المحلية من إدارة شؤونها الأمنية بفعالية، بما يشمل التخطيط والمتابعة والاستجابة السريعة للوقائع الميدانية، وربط المكاتب الأمنية بالمجالس التنفيذية في المحافظات ضمن رؤية اتحادية توازن بين وحدة السيادة وتوزيع الصلاحيات.
وفي المقابل، لا يتحقق أمن مستدام من خلال مركز تنفيذي واحد؛ إذ تُسند الإدارة اليومية للأمن للسلطات المحلية الأقرب للمواطن، بما يعزز سرعة الاستجابة وفعالية الخدمة ضمن إطار وطني موحد.
وقد أثبتت التجارب الدولية في الدول الخارجة من النزاعات أن دمج الهياكل الأمنية ضمن إطار لامركزي منسّق يحد من مراكز النفوذ غير الرسمية، ويعزز قدرة المحافظات على إدارة أمنها ضمن منظومة وطنية متكاملة، مع الحفاظ على وحدة السيادة والمعايير الوطنية.
نحو رؤية وطنية شاملة لإصلاح القطاع الأمني
إن إصلاح المنظومة الأمنية ليس مجرد عملية تقنية أو إعادة هيكلة إدارية، بل هو مشروع وطني يعيد تأسيس الدولة من جذورها، ويرتكز على ثلاث دعائم رئيسية:
- التوحيد المؤسسي والقيادي لضمان وحدة السيادة ووضوح القرار.
- الرقابة القضائية والمدنية لإعادة الاعتبار لسيادة القانون.
- الشفافية والحوكمة في إدارة الموارد والمهام لتعزيز الكفاءة والاستدامة.
فالأمن بلا عدالة هو استبداد، والعدالة بلا أمن هي عجز، والجمع بينهما هو الطريق الوحيد إلى الدولة الحديثة القادرة على حماية مجتمعها وصون سيادتها.
إن تأجيل إصلاح القطاع الأمني لا يعني تأجيل إجراء إداري فحسب، بل تجميد مستقبل الدولة. فالأمن هو القاعدة التي تقوم عليها التنمية والاستثمار وسيادة القانون، ومن دونه يظل الحديث عن الاستقرار والرخاء مجرد كلام بلا سند. ومن لا يصلح أمنه، لا يستطيع إصلاح غيره.
