نعم للكفاءات وحكومة عتيدة.. لا لصفقة نفوذ أحزاب
هل تنتقل الشرعية أخيرًا من منطق “تقاسم الغنيمة” إلى منطق “إدارة الدولة”؟ أم تعود - بأدوات ضغط أكثر فجاجة - إلى إعادة إنتاج المحاصصة التي عطّلت القرار وشرعنت الفشل، وقدّمت لليمن أسوأ حصيلة ممكنة: دولة مُعلّقة، مؤسسات مستنزفة، وحكومات بلا برنامج، وأحزاب بلا مسؤولية.
الخطير في المقال الصحفي الذي جرى تداوله على نطاق واسع، وما ترتّب عليه من ردود فعل شعبية غاضبة، ليس كونه كشف أجواء اجتماع متوتر، بل الرسالة السياسية الضمنية التي حاول تكريسها:
أن الأحزاب ترى نفسها شرطًا لازمًا لشرعية أي حكومة، وأن “الغطاء السياسي” لا يتحقق إلا بعودة الحقائب إلى نظام الحصص.
وهنا يتبدّى جوهر الابتزاز، حتى وإن صيغ بلغة ناعمة.
ماذا يكشف الخبر؟ وماذا يريد أن يرسّخ؟
بحسب ما ورد في المادة المتداولة، فإن رئيس الوزراء المكلّف طرح ملامح حكومة تقوم على:
مناصفة شمال/جنوب، ونائبين لرئيس الوزراء، وتوجّه نحو حكومة كفاءات، وتمثيل نسوي، مع رفضٍ صريح لنموذج المحاصصة السابق.
في المقابل، عبّرت قيادات حزبية عن اعتراضها بدعوى “تهميش دورها”، وذهبت مباشرة إلى لبّ الأزمة حين ربطت “الشرعية السياسية” و”الغطاء البرلماني” بمشاركتها الوزارية، معتبرة أن أي حكومة لا تتضمن حصصًا حزبية ستكون “مختلة التوازن”.
هذه ليست حجة إجرائية، بل معادلة ضغط واضحة تقول عمليًا:
إمّا أن تعودوا إلى منطق الحصص… أو نلوّح بكلفة سياسية وبرلمانية.
وهنا يلتقي هذا الخطاب مع موجة الرفض الشعبي الواسعة، التي رأت في هذه اللغة محاولة لإعادة تدوير النفوذ باسم “الشرعية”.
المغالطة الكبرى: خلط «الشرعية السياسية» بـ«توزيع الحقائب»
صحيح أن الحكومة تحتاج حاضنة سياسية وسندًا تشريعيًا، غير أن تحويل هذه الحقيقة إلى شرط واحد: “أعطونا الوزارات كي نعطيكم الشرعية” هو جوهر المقايضة التي حولت “التوافق” في السنوات الماضية إلى تعطيل، و”الشراكة” إلى حصانة للفشل.
الشرعية السياسية لا تُستمد من عدد الأحزاب داخل الحكومة، بل من:
1) برنامج إنقاذ واضح وقابل للقياس.
2) فريق تنفيذي كفؤ يمتلك صلاحية القرار.
3) رقابة ومساءلة فعّالة من البرلمان والرأي العام.
لماذا يُقاوَم نموذج الكفاءات؟
لأن حكومة الكفاءات، إن كانت حقيقية، تعني نهاية “الوزارة-الحصة”، وبداية “الوزارة-المهمة”، وتعني أن الفشل لم يعد محميًا بتوازنات النفوذ، وأن الوزير يُقاس بالأداء لا بالانتماء.
ولهذا جاء في المادة المتداولة أن رئيس الوزراء طلب من الأحزاب ترشيح أسماء دون تحديد حقائب، وأن تخضع جميع الأسماء للتقييم.
وهذا يعكس منطقًا إداريًا سليمًا: نبدأ بالمهمة ثم نختار من ينفذها، لا نبدأ بالحصة ثم نفتش عمّن يملؤها.
المشاركة السياسية شيء، واحتكار الدولة شيء آخر
الأحزاب جزء من المجال العام، ومن حقها النقد والمساءلة والاقتراح، لكن ليس من حقها أن تجعل الدولة رهينة لتاريخها التنظيمي، أو لهياكل استهلكها الزمن.
أخطر ما أصاب اليمن خلال العقود الماضية ليس التعدد الحزبي، بل تحوّل جزء كبير من العمل الحزبي إلى:
• شبكات توزيع منافع.
• آليات تدوير للفشل.
• وتأبيد لوجوه فقدت ثقة الناس.
ولهذا جاءت النداءات الشعبية حادّة وواضحة:
“كفى محاصصة… نريد حكومة دولة لا حكومة تسويات.”
كيف يُحمى خيار الكفاءات من التحوّل إلى شعار؟
حتى لا يتحول مفهوم “حكومة الكفاءات” إلى غطاء انتقائي، لا بد من قواعد معلنة:
1) عقد حكومي مختصر بمدد زمنية ومؤشرات أداء.
2) معايير اختيار مكتوبة وشفافة.
3) لجنة تقييم مهنية مستقلة.
4) آلية مساءلة واستبدال دوري.
5) دور حزبي رقابي وبرنامجي لا “حقائبي”.
خاتمة
المعركة اليوم ليست على من “يمثل” الحكومة، بل على ما إذا كانت الحكومة قادرة على تمثيل الدولة.
وأخطر ما يمكن أن يحدث هو استدعاء المحاصصة باسم “الشرعية السياسية”، وإعادة تعويم منطق جُرِّب طويلًا وأثبت أنه طريق مختصر إلى الشلل.
اليوم، لدى القيادة فرصة نادرة للانتقال من شرعية التوازنات إلى شرعية الإنجاز، ومن دولة تُدار بالمساومات، إلى دولة تُدار بالقرار والمحاسبة.
أما الشارع، فقد قال كلمته بوضوح:
نريد حكومة كفاءات… لا حكومة حصص.
