2- في الأمن القومي العربي
وهكذا، تبدو فكرة التحالف الانتقائي غير مضمونة وغير مجدية. وحتى في العالمين، العربي والإسلامي، لا أعتقد أن أي فكرة لقيام تحالف دفاعي أو اقتصادي بين دول معزول بعضها عن بعض فكرة سديدة، وقد لاحظنا موت تحالفات في مهدها وأخرى قتلها تناقض أهداف وأجندات أعضائها.
الحديث في هذا الجانب يعيدنا إلى قضيتين عصيتين على النظام العربي. قضيتان مترابطتان لا يمكن معالجة إحداهما من دون الأخرى. القضية الأولى هي الدفاع العربي المشترك، والذي يجد تعبيره في مسألة واحدية الأمن القومي العربي. أما الثانية فهي مسألة التخصص والتكامل الاقتصادي بين الدول العربية.
لقد بدأت النقاشات أو الأفكار حول الدفاع العربي المشترك منتصف القرن العشرين، ولكن لم تنجز خطوة عملية واحدة بهذا الشأن، لأن النظام العربي ظل مستغرقا في تناقضاته وأزماته الداخلية والبينية، وظلت فكرة الدفاع العربي المشترك حبيسة ملفات الجامعة العربية. فالدول العربية منغمسة في تحالفاتها الخاصة المتضادة وحساباتها وقضاياها الذاتية.
وهكذا، فإن الدول العربية لا تشعر بالرغبة في الكلام عن الدفاع العربي المشترك والأمن القومي العربي إلا حينما تجد نفسها في مأزق أو احتمال ظهور عدو يهددها، ولكنها لا تكترث بالأمر حينما تتعرض دولة عربية لعدوان حقيقي. ولا أرى حاجة هنا لسرد أمثلة، فما أكثرها.
يعتقد البعض أن الأمن بضاعة بالإمكان شراؤها من سوق السلاح العالمي مثل أي منتج. يمكن شراء المقاتلة والسيارة والصاروخ وبرامج (السوفت وير). وفعلا، بإمكان كل من لديه مال أن يشتري منتجا جاهزا، لكنه يجهل أسراره تماما. يمكن لأي شخص شراء سيارة كهربائية ذكية من أي معرض دولي، ولكنه لن يجيد التصرف إذا وجد نفسه محبوسا في تلك السيارة وهي تُحرك عن بُعد رغما عنه. ولن يفلح الطيار العسكري مهما كانت مهارته في إجبار طائرته على قصف أهداف محددة لا تسمح بها البرمجة المسبقة للمصنع.
لتحويل فكرة الدفاع العربي المشترك إلى واقع ملموس لا تكفي الأماني ولا دغدغة المشاعر. تحتاج الدول العربية إلى استشعار الخطر الداهم المحدق، إلى جانب الإرادة والقدرة على اتخاذ قرار حاسم بهذا الشأن. وإذا حضرت الإرادة سيكون نمط تفكير آخر من التفكير الاستراتيجي في تعريف مفهوم الدفاع العربي المشترك ومتطلباته ومهام كل دولة في هذا الدفاع، وبعدها التفكير بالعلاقة العميقة بين الأمن القومي العربي والدفاع العربي المشترك، وأين تكمن الأولوية أو أيهما أسبق في العمل؟ وبعد ذلك تأتي مسألة تعبئة الموارد وحوكمتها وتخصيصها. ولأنه لا يمكن أن ينجح مشروع الدفاع العربي المشترك والأمن القومي العربي بأدوات ووسائل تسلح غير عربية.... يجب أن تكون هذه المسألة محسومة مسبقا.
وإذا حسمت مسألة التسلح عندها ينتقل التفكير نحو قضايا مهام التكامل، فلا يمكن لدولة واحدة بذاتها أن تتحمل عبء التصنيع أو التمويل والإدارة والإشراف. هناك تجارب نموذجية في هذا الجانب يمكن الاستفادة منها، مثل تجربة الناتو وحلف وارسو. كما أن دراسة تجربة التخصص والتكامل في المجمع العسكري السوفيتي والتصنيع والاقتصاد السوفيتي يمكن أن يقدم لنا مؤشرات عن كيفية توزيع الأعباء والفرص في الدول العربية.
