الشفوت والباجية.. طقوس لا تغيب عن المائدة العدنية


عدن / 14 أكتوبر/ خاص:
استطلاع: فاطمة رشاد:
ما إن يهلّ هلال شهر رمضان المبارك، حتى تخلع مدينة عدن ثوب الصخب اليومي، لترتدي حلةً من الروحانية الممزوجة بعبق التاريخ. هنا في «كريتر»، و«الشيخ عثمان»، و«المنصورة»، لا يُقاس الزمن بالساعات، بل برائحة «العود العدني» التي تفوح من البيوت مع غروب الشمس، وبصوت الأواني التي تعزف سيمفونية «الشفوت» و«الباجية» في كل «حافة». رمضان في عدن ليس مجرد صيام عن الطعام، بل هو استعادة لذاكرة المدينة وتجديد لروابط اجتماعية لم تزدها السنون إلا وثوقاً.
المائدة العدنية
في جولتنا بأسواق المدينة قبل الإفطار بساعتين، تزدحم الأزقة بروائح لا تخطئها الأنوف. التقينا بأم أحمد، وهي ربة منزل كانت تشتري احتياجاتها من سوق كريتر، فقالت لنا والابتسامة تعلو وجهها: «رمضان في عدن يعني اللمة، مائدتنا لا تكتمل بدون الشفوت والسمبوسة، والباجية العدنية الحارة هي روح السفرة حتى لو كانت الظروف صعبة، يظل للقمة رمضان طعم خاص ببركة الشهر وتكاتف الجيران».
ولا يقتصر الأمر على المنازل، فالبسطات الشعبية في «الشيخ عثمان» تحولت إلى مزارات يومية، حيث يقف الشباب في طوابير طويلة للحصول على «الرواني» و«المشبك» و«القطايف» التي تشتهر بها المدينة.
في «الحوافي» تكافل يتحدى الظروف
وعلى طول الطريق قبل المغرب بثوان معدودة رصدنا مشهداً يجسد جوهر عدن؛ شبابٌ يوزعون وجبات الإفطار على المارين والمسافرين. يقول الشاب صالح احمد : «نحن كشباب عدني، نشأنا على مبدأ أن أحداً لا يجوع في مدينتنا نقوم بمبادرات ذاتية لجمع التبرعات وإعداد وجبات بسيطة. رمضان يخرج أجمل ما فينا، وهو حب الخير للغير».
هذا التكافل يمتد إلى العادة التاريخية المعروفة بـ «المداد»، حيث تتبادل الأسر الأطباق قبل الأذان بدقائق، في مشهد يعزز أواصر الجيرة التي تميزت بها عدن عبر العقود.
روحانية التراويح
بعد الإفطار، تأخذ عدن وجهاً آخر أكثر هدوءاً وجلالاً. تكتظ المساجد التاريخية بالمصلين. وفي «جامع أبان» العريق، تتمازج الأصوات الخاشعة مع نسيم البحر لتخلق أجواءً روحانية لا توصف.
يحدثنا المواطن محمد العبد قائلا: «لصلاة التراويح في مساجد عدن القديمة نكهة خاصة. الناس هنا يحبون الاستماع إلى التلاوات الندية، وبعد الصلاة تبدأ اللقاءات الاجتماعية التي تُناقش فيها أحوال الناس وقضاياهم بقلوب مفتوحة».
عدن التي لا تنام
هكذا هي عدن في رمضان؛ مدينةٌ لا تكتفي بالصيام، بل تتنفسُه بكل حواسها. بين رشفة ‹شاي عدني› على رصيفٍ في الشيخ عثمان، ودعاءٍ خاشع يرتفع من مآذن كريتر، تبرهن هذه المدينة الساحلية أنها أكبر من مجرد جغرافيا، إنها ‹روحٌ› تأبى الانكسار. ومع اقتراب السحر، وبينما ينسلُّ نسيم البحر ليداعب وجوه المصلين والسامرين، تظل عدن تهمس للعالم بأن المحبة هي ‹المكون السري› لمائدتها، وأن بركة الشهر لا تكمن في وفرة الطعام، بل في قلوبٍ فتحت أبوابها للغرباء قبل الأقرباء، ليبقى رمضان في ‹ثغر اليمن الباسم› حكاية صمودٍ تُروى، وهويةً تزداد نضارةً مع كل أذان.

.jpeg)
