في مدينةٍ وُلدت من التجارة، وتشكّلت هويتها من الميناء والانفتاح، يصبح تغييب الاقتصاد عن النقاش العام ضربًا من إنكار الذات.
عدن لم تكن يومًا هامشًا في تاريخ اليمن، بل كانت بوابته الطبيعية إلى العالم، ومختبره المبكر لبناء الدولة الحديثة، ومنصته الأولى للاقتصاد والخدمات.
ومع ذلك، يبدو المشهد العام اليوم مفارقًا حدّ الصدمة: خطاب سياسي وإعلامي مثقل بالتحذير، مستغرق في تعداد الإخفاقات، بينما يغيب السؤال الأكثر إلحاحًا: أين موقع عدن واليمن من التحولات الاقتصادية الكبرى التي تعيد رسم خرائط النفوذ في الإقليم؟
إن الخطر الحقيقي لم يعد محصورًا في تكرار نماذج الانهيار التي عرفناها، بل في أن نستيقظ وقد خرجنا نهائيًا من الحساب، لا بوصفنا أزمة سياسية فحسب، بل كفراغ اقتصادي وجغرافي لم يعد أحد في الإقليم مضطرًا إلى أخذه بجدية.
فالاقتصاد اليوم لم يعد قطاعًا من القطاعات، بل لغة القوة الجديدة، وأداة إعادة التموضع، ومعيار الحضور أو الغياب في منظومات الإقليم.
الذاكرة الوطنية بين الفهم والجمود: حين يتحول الاستدعاء إلى عائق
لا يمكن لعدن - ولا لليمن عمومًا - أن تتنصل من ذاكرتها، فالمدن، مثل الدول، لا تُبنى في فراغ، ولا تستقيم دون وعي تاريخي يربط الحاضر بالماضي.
غير أن الإشكال يبدأ حين تتحول الذاكرة من بوصلة للفهم إلى عبء على الرؤية، ومن أداة للتعلّم إلى خطاب دائري يعيد إنتاج العجز ذاته، ويكتفي بتسمية الألم دون تفكيك أسبابه البنيوية أو اقتراح مخارج عملية.
كثير من الكتابات اليمنية تنشغل بإعادة توصيف السقوط: كيف حدث؟ ومن تسبب فيه؟ ولماذا تكرر؟
لكنها نادرًا ما تنتقل إلى السؤال الأهم: كيف يمكن إعادة التموضع في عالم تغيّرت فيه أدوات القوة، ولم تعد السياسة وحدها كافية لتأمين موقع الدول أو حماية مجتمعاتها؟
فالذاكرة حين تُستحضر بلا أفق، تُطمئن الضمير لكنها تُعطّل الخيال، وتحوّل النقد إلى طقس لغوي لا إلى مشروع تغيير.
عدن بوصفها مشروع دولة لا رمز صراع: الاقتصاد أساس الاستعادة
عدن لم تكن يومًا مجرد رمز سياسي أو عاصمة سابقة أو ساحة نزاع، بل مشروع دولة متكامل الأركان.
مدينة تأسست على منطق الوظيفة الاقتصادية: ميناء عالمي، منطقة عبور، مركز خدمات، وبوابة تواصل بين آسيا وإفريقيا والخليج.
هذا المشروع لم يسقط لغياب الإمكانات، بل جرى تعطيله سياسيًا، وتجفيفه إداريًا، وإقصاؤه عن دوائر القرار، حتى تآكل دوره وانحسرت وظيفته.
إن استعادة عدن لا تكون بتكثيف خطاب المظلومية أو اجترار سرديات الماضي، بل بإعادة الاعتبار لوظيفتها الاقتصادية، ولمفهوم الدولة الذي نشأت عليه: دولة مؤسسات، لا دولة شعارات؛ دولة خدمات وإدارة، لا دولة جباية وفوضى.
ومن دون هذا التحول، ستظل عدن حاضرة في الخطاب، غائبة في السياسات، ومعلّقة بين ما كانت عليه وما يمكن أن تكونه.
من فائض التحذير إلى غياب الرؤية: حين يفسّر الخطاب الفشل ولا يمنعه
المشكلة في اليمن اليوم ليست في نقص التحذير، بل في فيضه.
لقد خبر اليمنيون، وعدن في مقدمتهم، كلفة العنف والانقسام والانهيار بما يفوق أي توصيف.
ومع ذلك، ما يزال الخطاب العام يعيد إنتاج اللغة ذاتها، وكأن إعادة تسمية المأساة كفيلة بمنع تكرارها.
جلد الذات قد يمنح شعورًا أخلاقيًا بالبراءة، لكنه لا يبني ميناءً، ولا يعيد تشغيل منطقة حرة، ولا يستقطب استثمارًا، ولا يخلق فرصة عمل.
وحين يتحول التحذير إلى خطاب مهيمن، فإنه يشرح الفشل دون أن يمنع تكراره، ويُفسّر الانهيار دون أن يضع أسسًا لتجاوزه.
الخطورة هنا ليست في النقد، بل في أن يتحول النقد إلى بديل عن الفعل، والتحليل إلى تعويض نفسي عن غياب القرار.
الاقتصاد مدخل الاستقرار ومنع التهميش: عدن في الإقليم المتغير
في محيط عدن، تعيد دول المنطقة تعريف مفهوم الأمن من بوابة الاقتصاد.
السعودية عبر رؤيتها 2030 لم تنتظر اكتمال التسويات السياسية لتعيد بناء قوتها، ودول الخليج بنت نفوذها على اللوجستيات، والطاقة، والتكامل التجاري، والاقتصاد الرقمي.
مصر خاضت إصلاحات قاسية لتثبيت الدولة، والمغرب ربط التصنيع بالانفتاح الإفريقي، فيما تعيد الجزائر هندسة موقعها الطاقوي والصناعي.
هذه التجارب تؤكد حقيقة واحدة: الاقتصاد لم يعد نتيجة مؤجلة للاستقرار السياسي، بل أداة لصناعته، ومدخلًا لإعادة بناء الدولة ومكانتها.
وبالنسبة لعدن، لم يعد السؤال كيف نتفادى الأسوأ، بل كيف نمنع تهميش المدينة واليمن عن موجة التحول الجارية.
ففي عالم يتشكل بسرعة، لا مكان للفراغات الطويلة، ولا للكيانات التي تكتفي بتفسير أزماتها دون أن تعيد تعريف دورها ووظيفتها.
