
للتكريم طقوس لا يفهمها إلا من أُهديت له لحظة تقدير صادقة. ليس هو مجرد درع يُمنح، أو شهادة تُعلّق، بل هو احتفاء بالمسيرة، واعتراف بالفضل، وطمأنة للضمير بأن الجهود لم تذهب سدى. في لحظة التكريم، يستعيد المكرَّم رحلته الطويلة، بكل ما حفلت به من تعب ونضال وصبر وتضحيات. يشعر أنه لم يكن وحيداً، وأن هناك من رآه وهو يكتب، وهو يذيع، وهو يقاوم، وهو يُؤمن برسالة الإعلام الحرة.
ما أجمل أن يأتيك التكريم وأنت ما زلت تمشي بين الناس، ترى وتسمع وتفرح، تستشعر المحبة في العيون، والاحترام في الهتافات، والامتنان في التصفيق. كم من الرموز الإعلامية التي رحلت عنّا، ولم تنَل إلا باقة ورد على قبرها، بينما ظلت طيلة حياتها تنتظر كلمة شكر واحدة، أو لفتة تقدير! لذلك، فإن تكريم الأحياء هو موقف إنساني راقٍ، ورسالة للمجتمع بأن الوفاء لا يُؤجل، وأن الكلمة الطيبة، حين تُقال في وقتها، تصنع أثراً لا يُنسى.
تحية تقدير وإجلال لنقابة الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين، التي لم تنسَ من كتبوا التاريخ بمداد الإعلام، ولم تتجاهل أولئك الذين وقفوا على جبهات الكلمة والميكروفون في أحلك الظروف. هذه النقابة، بروحها الحية، أعادت الاعتبار لمن كان لهم شرف الريادة والموقف والكلمة، وذكّرت الأجيال الجديدة بأن هناك من مهدوا الطريق، وزرعوا الأساس.
لقد جاءت مبادرتها بتكريم هؤلاء بمثابة رد جميل، ورسالة وفاء باسم كل من ما زال يؤمن بأن الإعلام ليس مجرد مهنة، بل هو شرف والتزام ومسؤولية.
لقد ترك هذا التكريم صداه في قلوب الناس، قبل أن يتردد في وسائل الإعلام. رأينا العيون تلمع بالفرح، والقلوب تنتشي بالعزة، حين شاهدت رموزها تُكرم، وتُحترم، وتُرفع صورها لا لحدث مأساوي، بل لذكرى مشرفة.
وفي الأوساط الإعلامية، أصبح هذا الحدث حافزاً للأجيال الشابة، ومؤشراً أن الطريق وإن طال، فإن نهايته لا تخلو من ضوء، وأن التضحية من أجل الكلمة لا تذهب هدراً.
في مجتمعات تعاني من النسيان، يُصبح التكريم أداة لحفظ الذاكرة، ووسيلة لصناعة تاريخ يُكتب بيد محبيه لا بيد من ينساهم. هو بمثابة وثيقة شرف، تُعلّق على جدار الوطن، وتقول للناس: “هؤلاء مرّوا من هنا، وكتبوا بصدق، وكانوا أوفياء لقضاياهم، وها نحن نردّ لهم شيئاً من الجميل”.
التكريم يصنع القدوة، ويؤسس لفكرة أن العطاء لا يُنسى، وأن من يخدم الناس بكلمته يستحق التكريم وهو على قيد الحياة، يسمع الدعاء، ويتلقى التقدير بعينين دامعتين من الفرح.
في هذه اللحظة، لا يمكن أن تمر الكلمات دون أن نتوقف بكل احترام أمام نقيب الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين الأستاذ عيدروس باحشوان، الذي كان له الدور الأبرز في أن ترى هذه اللفتة النبيلة النور.
لقد أثبت النقيب أن قيادة العمل النقابي ليست مجرد منصب أو توقيع، بل موقف وإنصاف، وحسن إدارة للوفاء في زمن الجحود. باسمه، وباسم من يعملون معه، عادت البسمة لوجوه غابت عنها الأضواء، وشعر الصحفي والإعلامي الجنوبي أن هناك من لا يزال يقدّر جهده، ويحترم تاريخه، ويُعيد إليه مكانته.
ختاماً، يبقى التكريم رسالة من الحاضر للماضي، ومن الجيل الجديد لأولئك الذين حملوا القلم كمن يحمل السلاح. ولعلّ أجمل ما في هذا المشهد، أن التكريم جاء من نقابة وُلدت من رحم الجنوب، وفية لأبنائه، حافظة لأسمائهم، ممتنة لتاريخهم.
وهكذا يُصنع الوفاء، وتُكتب السطور التي لا تمحى.