
ولأننا شعوب لا تموت كالبطل في نهاية القصة، بل تتحول قصصنا إلى “تراث”، لأن كل خلاف بسيط - تركته دون حل - قد يُصبح بعد عقد من الزمن مادة للحرمان من العزائم، والميراث، وربما العزاء، ومقاطعة زيارة قبرك.
أنت الذي رأيت الخلاف بسيطًا، وقلت: “الموضوع ما يستاهل”، ثم غادرت المشهد كأنك في مسلسل مكسيكي، وخلّيت أبناءك يرثون مشاعر لم يعيشوها، لكنهم يكرهون بعضهم بسببها.
الفتنة العائلية لا تبدأ بانفجار عبوة كلامية ناسفة، بل بـ”نظرة”، ولا عبر خلاف مالي، أو طعن في العرض - لا سمح الله - بل غالبًا تبدأ بأشياء أبسط مما تتصور.
في زواج ابنة عمك، لم تسلّم على خالتك لأنها كانت مشغولة بالتصوير.
انتهى اليوم بسلام، لكن بدأت حرب باردة.
في المساء، كتبت خالتك في جروب العائلة:
“الحمد لله على كل حال. الكل حضر وبارك لي، إلا زوج العقربة لابس بدلة زرقاء، جزع من جنبي ولا عبرني”.
هذا هو الإعلان الرسمي بذاته، عن افتتاح معركة “سوء النية المتعمدة”.
بدأت بالألغاز، وستنتهي بقائمة حظر لا تشملك وحدك، بل زوجتك، وعيالك، وأحفادك، وأمك اللي ماتت قبل اختراع الجوال.
لهذا لا تستهِن بالخلاف الصغير، فإن له أبناء وأحفاداً.
وأعلم أن الخلافات لا تتبخّر، بل تتخمّر.
تمرّ السنوات، ويتزوج ابن أختك، ولا يعزمك.
وحين تسأله عن السبب، يقول:
“ما أحب النفاق ولا المجاملات. لأنك ما فرحت لأمي ولا باركت لها يوم ولادتي”.
فتجلس مذهولًا:
كل المشكلة كانت على يوم ولادتك؟!
نعم. لكنها لم تكن ولادة طبيعية، بل عن “شعور مدفون” لم تتعامل معه حين كان علقة في بطن أمه فكبر، وتحوّل إلى موقف.
بعض الناس يورّث ذهبًا وعقاراً، وأنت تورّث قطيعة!
تخيل بعد رحيلك، أولادك يكتشفون أن عمّتهم لا ترد السلام، لأنك قبل 15 عامًا رفضت دعوتها لحفلة تخرّج ابنها بحجة “زحمة الطريق”.
فتجد نفسك وقد خلّفت إرثًا مشوّهًا:
لا شركة، ولا مزرعة، ولا حتى بيت، بل مجرّد كراهية مشاعة بين عائلتين، لا أحد يعرف أصلها.
ومع مرور الوقت، يتحول الخلاف إلى قانون غير مكتوب:
“إحنا ما نكلمهم، وهم ما يكلمونا، وكلنا ما نعرف السبب”.
أحد الأحفاد سيتجرأ يومًا ويسأل:
“بس يا أمي، هم أهلنا صح؟ ليش نكرههم؟”
فترد عليه الأم بردّ مُصفّى عبر الأجيال:
«اسكت، لا تعيد الموضوع، جدك قبل خمسين عاما انظلم منهم كثير».
لهذا أنصحك، كن محضر خير واقعي، لا محضر شر عاطفي.
لا أحد يطلب منك أن تكون الحَكَم في كل نزاع، لكن لا تكن أيضًا من يشعل الفتنة ثم يقف متفرجًا.
انتقِ العبارة الطيبة، ولا تطلق صاروخًا عاطفيًا يحمل شظايا من عام الفيل.
حرك جرس ضميرك بالتذكير بأن ما نطقت به لا يجوز، وإن كان من باب المزاح.
ولا تدع الشيطان يهمس في أذنك: مبروك!
أعدت تشغيل فتنة نائمة، ورفعت الضغط الجماعي، وألغيت النية المستقبلية للمصالحة.
“أهنئك”.
تذكّر دائمًا، بأن الخلافات البسيطة التي لم تُحلّ في وقتها، تتحوّل إلى “وصايا”، ويُعاد توزيعها كما يُوزّع الميراث.
وقد تُكتَب في آخر حياتك وصية مثل هذه:
“لا تسامحوا عمّكم الخبيث، لأنه أخذ التلفزيون اللي في المجلس بدون إذن.
وإذا صادفتوا أولاده في الشارع، غيّروا طريقكم.
ولا تحكوا لعيالهم عن سيرة جدهم الحرامي، خلوهم يعرفون الحقيقة من الناس”.
وصية مثل هذه قد تُقرأ يوم وفاتك، لا تبكي أحدًا، بل تُضحك الحضور، ضحكة حرقة، لا سعادة.
الرسالة الأخيرة:
أنت اليوم أمام خيارين:
إما أن تكون الجَدّ الذي يروي الحكايات ويوزّع الرحمات..
أو تكون الجَدّ الذي تتوارث الأجيال اسمه مقرونًا بعبارة:
“الله يهديه… هو اللي بدأ المشاكل”.
فاختر أي إرث تريد أن تتركه.
وسلامتك..