هذا الأسبوع عادت عمليات قتل الحوثي للمدنيين في مدينة تعز، الواقعة في جنوب غرب اليمن.
هذه المعاناة المستمرة لم تترك لنا، أبناء هذا البلد العربي الأصيل، مجالا لمتابعة ما يجرى من حصار مضيق هرمز، ولا ما الذي يفعله ترامب بهذا العالم.
وأحكي هنا عن حالة مؤلمة في تعز، كونها تمثل جوهر صورة مصغّرة من وضعنا العربي العام، من حيث تداخل المواقف والمشاعر معا.
هنا، ركّز قنّاصة الميليشيات الحوثية رصاصهم على الأطفال الذاهبين إلى المدارس أكثر من غيرهم، ليُحدثوا أثرا موغلا في الألم، ويعمّقوا جرح التشظي لا أكثر. ويغتالون الغد . والمدينة، المحاصَرة من قبل الحوثيين منذ أحد عشر عاما كاملة، تشيّع كل يوم جنازة طفل أو أكثر، بسبب الحصار ورصاص القنّاصة وحقول الألغام.
وتتحول صرخة الحوثى الشهيرة بالموت لأمريكا وإسرائيل، الى طلقة غادرة في صدور الصغار . وإلى هاجس الخوف الأول ، في وجدان اليمنيين وذاكرتهم الجمعية.
إنها حالة مضطربة من المشاعر والمواقف؛
يخرج الناس يتظاهرون ضد القصف الأمريكي - الإسرائيلي، فيما عيونهم تترقب قوات حوثية مدعومة من إيران، تتوغّل في قتلهم.
وأنا أدرك حجم معاناة هذه المدينة التي أنتمى إليها، والتي لم تغادرني يوما. فهناك أكثر من مليون شخص، على الأقل، مهددون بالموت عطشا.
وحتى عندما اجتاحت السيول تعز هذا الأسبوع، جرفت معها أطفالا علقوا في « مدارب» السيل، ولم يكن من السهل إنقاذهم أو حتى انتشال جثثهم، إذ جرفتهم المياه خارج وسط المدينة باتجاه مناطق سيطرة الحوثي.
ورأى الناس أطفالهم تجرفهم السيول نحو حقول ألغام، وبين جبال مطرّزة بالقنّاصة الذين يتربصون بالبقية الباقية من الناس.
تلك هي الصورة التي نراها من الجانب الآخر، ولا يدركها عدد واسع من المتابعين لتقلبات ترامب وأساطيله.
والمعاناة المضاعفة في تعز اليمنية تشبه ما يحدث في مناطق عربية أخرى، تعاني دمار أذرع طهران، ومن تغوّل العدو الصهيوني، ويزيد عليها حال التشظي العربي والصراع العربي– العربي، الذي يعمّق تمزيق الدول ونسيج المجتمع.
ويجعل هذا الاضطراب بالمشاعر والمواقف هو السائد. فهذه الشعوب تجد نفسها ممزقة بين عدوان إسرائيلي غاشم ومرفوض، وعدوان إيراني آخر، وخلافات عربية متزايدة تُصرّ على عدم ردم الهوة والخروج من حالة التشظي والتيه المحيطة بنا.
نحن بحاجة إلى وقفة جادة، وصوت أكثر قوة يرفعه تيار الوعى العربي، بمثقفيه وشبابه.
بالنسبة لليمنيين، ورغم أثر التشظي العربي، فإن الموقف أكثر وضوحا وتأثيرا على المشهد الوطني في الداخل.
فمن حيث الحرب، المواقف ضد العدوان الإسرائيلي معلنة، كما هو الموقف من إيران، التي ذاق اليمنيون مرارة دعمها لميليشيا التمرد منذ أكثر من عقد من الزمن.
ولهذا يدرك الناس خطورة المشروع الذي مزّق نسيجهم، ودفع بالبلد إلى حرب مؤلمة لم تتوقف حتى الآن.
ومن يتابع تفاصيل المشهد المؤلم لهذه الأذرع في بلد مثل اليمن، يمكنه فهم حجم المعاناة الناتجة عن توغّلها بشكل أوضح.
حيث دعمت طهران قوى التمرد الحوثية في اليمن، بكل الترسانة من الأسلحة والخبرات، واعترفت بها رسميا بدلا عن الدولة اليمنية، بل وسلّمت مبنى السفارة اليمنية في طهران للميليشيات الحوثية، في سابقة لم يشهدها القانون الدولي. لهذا يبرز السؤال الذي قد لا يفهمه المشاهد عن بُعد: لماذا يرى الشارع العربي، في معظمه، أن التمدد الإيراني خطر مهدد لوجوده؟ كما يرى في العدو الإسرائيلي خطرا على الوجود العربي؟.
غير أن ما يزيد المشهد مأساوية هو تصدّر إسرائيل للمشهد، بما يعمّق تفكيك أي موقف موحد، وهو ما يخدم مشروعها.
وكل ذلك يعيدنا إلى صلب القضية: إن الخروج من هذه الكارثة، بالنسبة للوطن العربي، يكمن في بروز مشروع عربي حقيقي، نحاول كثيرا تجاهله أو يسارع البعض إلى تسفيهه في لحظة مردها الانفعال، لا كموقف عقلاني. نعم، تعيش الأمة لحظة إحباط مدمّرة، وشعور بالعجز لم يسبق له مثيل.
لكن استدعاء العقل في هذا الوقت، وتغليب المصلحة الوطنية والقومية، يمنح العقل السياسي لحظة سكينة للتفكير المنطقي. ( لو بقي عقل!). غير أن ذلك يقتضي أن تتقدم الحكمة أولا… في زمن ساده هذا الجنون العجيب!
