لم يكن حظ ماكس في العمل السياسي الميداني من النجاح كما كان حظه من التفوق والنبوغ النظري البحت. كانت محاولته لبناء حزب يساري ينخرط فيه الليبراليون محاولة طوباوية للغاية، فقد خاف الليبراليون منذ البداية من الثورة الاشتراكية الديمقراطية التي تهيأت ظروفها عام 1918. انخرط ماكس كضابط احتياط في صفوف الجيش الألماني مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، وأنيطت به مسؤولية تنظيم مشافي الجيش في هايدلبرغ. لكن العمليات العسكرية غيرت وجهة نظره الداعمة للخطاب القومي، فبعد أن كان ينظر للحرب كضرورة وواجب وطني حيال ألمانيا كقوة عظمى، تحول إلى ناقد للتوسع الاستعماري لبلاده، خاصة في أوروبا. لقد تحولت نظرته تلك بمقدار 360 درجة، وفاجأ محيطه بدعم الدعوة لإصلاح دستوري الانتخابات والديمقراطية.
بعد هزيمة ألمانيا في الحرب، عُين عضوا في الوفد الألماني المشارك في مؤتمر باريس للسلام، وفي نفس الوقت مستشارا للجنة السرية للإصلاحات التي صاغت دستور جمهورية فايمار 1919. ولكنه بالمقابل فشل في أن يصبح عضوا في البرلمان عن الحزب الديمقراطي الليبرالي الألماني. ومع ذلك فقد اصطف إلى جانب الحزب الديمقراطي الاجتماعي في معارضة كل من الثورة اليسارية في ألمانيا 1918 - 1919، ومعاهدة فرساي. ويرى البعض أن هذه المواقف ربما تكون منعت فريدريش إيبرت، رئيس الحزب الحاكم، من تعيينِ فيبر في أي منصب سياسي أو دبلوماسي. لكن المؤكد أن الدور السياسي لماكس فيبر لايزال يثير الجدل والنقاش والتقييم وإعادة التقييم.
المهم أنه بعد هزيمة ألمانيا وهزيمة ماكس شخصيا وحزبه عام 1919، ألقى محاضرته الشهيرة (السياسة بوصفها حرفة) والمنشورة في كتاب بنفس الاسم، وكان قد جرى التحضير لها منذ العام السابق. في هذه المحاضرة وجه سهام نقده للسياسيين والعنف المتمكن من نشاطهم حتى تحول إلى حرفة لهم ووظيفة.
حاولت أن أقتبس بعض الأسطر من محاضرة ماكس فيبر تلك، خاصة ونحن نكاد نلتمس بعض التشابه في الممارسة السياسية المعاصرة.
يقول فيبر في محاضرته: (... أشعر بوقع عميق، حين أجد رجلاً ناضحاً - ولا يهم إن كان شاباً أو عجوزاً - يشعر فعلاً من كل كيانه بمسؤوليته عن العواقب، ويتصرف تبعاً لأخلاق المسؤولية ويصل في بعض الأحيان إلى حد القول صراحة: “لا أستطيع أن أتصرف بشكل مغاير، وها أنا أتوقف عند هذا الحد” وهذا موقف إنساني أصيل ومؤثر أيضاً).
ثم ينطلق فيبر في تحليل الوضع الذي وصلت إليه ألمانيا بعد ما مرت به من ظروف الحرب والهزيمة، وهزيمته السياسية الذاتية، ليعبر عن مخاوف عميقة تنتابه حيال مستقبل ألمانيا، فيقول: (إن أخشى ما أخشاه في تلك اللحظة، ولسوء الحظ ولأسباب عديدة أيضاً، أن تكون الرجعية قد داهمتنا منذ وقت طويل، ومن المحتمل أيضاً أن لا يصار إلى تحقيق إلا القليل من الأمور التي تمنيتم وتأملتم بها، وأعترف لكم أني أنا أيضاً قد تمنيت تحقيقها، بل إنه ورغم كل المظاهر أقول تحقق القليل منها حتى لا أقول لم يتحقق أي شيء إطلاقاً - هذا محتمل، لكن ذلك لا يحطم عزيمتي، إلا أن معرفته تجعلني أحمل عبئاً داخلياً بالطبع - ثم إني أرغب فعلاً أن أرى آنذاك ما سيحل بالبعض منكم ممن يشعرون بأنهم من سياسيي الاعتقاد الأصليين، والذين يشاركون بالنشوة في (ما تعنيه هذه الثورة) - إني أرغب أن أرى فعلاً ما سيصيره الواحد منكم بالمعنى الداخلي لهذه الكلمة).
ربما تتطابق أمنيات الكثير منا اليوم مع أمنيات ماكس فيبر بالأمس.
