منابع النفط والغاز.. مصادر للثروة والإعمار أم حقول ألغام
انهيار إيران سيحول الخليج العربي إلى ساحة حروب أهلية عبر جماعاتها المتطرفة 




14 أكتوبر / خاص :
نجمي عبدالمجيد:
سياسة الأرض المحروقة استراتيجية الهدم الشامل للمراكز القديمة، نظرية الابادة من أجل البقاء.
ربما هناك اطروحات سياسية تمارس في حرب الخليج هذه، وفي الصراعات لاتعاد قضية رسم الخرائط إلا عبر قوة السلاح؛ لانه هو الفعل المباشر في صنع القرار السياسي وهو ما ترى فيه أمريكا الحق الكامل في فرض وجودها في هذا الجانب من منطقة الشرق الأوسط.
نفط وغاز، سنة وشيعة، وصراعات تاريخية منذ قرون في مجال السيطرة والنفوذ، وفي الراهن تكمن معادلة الصدام بين السعودية وايران، هنا تدخل قضايا الحرب في عدة توجهات ليس من السهل حصرها عند حدود مياه الخليج العربي أو رمال جزيرة العرب بل هي قوة النفوذ الاقتصادي العالمي ومن يصنع مقدرة ادارة الصراع.
في عام 1979م غادر محمد رضا بهلوي ملك ايران تلك البلاد دون عودة فهل كانت تلك المغادرة من الحسابات القاصرة في العمل السياسي، وهل أدرك الغرب انه ارتكب أكبر الاخطاء حين تآمر على حاكم كان يعد حارس الخليج العربي.
وكيف تعاون الغرب، وهو العلماني، مع عقليات مذهبية ـ طائفية تحكم هذه المنطقة من مصالح الغرب؟
مازالت تساؤلات هذه القضايا في دائرة الحلقات المفقودة وربما كان خير رد على هذا التحالف بين علمانية الغرب ومذهبية التشيع هو ليس في نظريات الغرب حاجة اسمها الحليف الدائم.
واليوم تمارس نفس اللعبة في الخليج العربي وبالذات ضد السعودية التي ينظر لها الغرب كما كان ينظر إلى الشاه قوة صاعدة تسعى لتكون المنطق الاقليمي، وهو ما كان يسعى له الشاه وفي هذا اخراج سيطرة الغرب من منابع النفط والغاز والانفراد في صناعة القرار.
ومن هنا تطرح هذه الحرب أكثر من بعد في قراءة مشهدها السياسي وهي حرب ليست مجرد تبادل للضربات بل كسر السيطرة واخطر وسائلها المذهبية ـ الدينية، السعودية السنية وايران الشيعية، وهو ما يذهب إلى جعل هذه الحرب ناراً تدخل في كل شارع ومنزل في الخليج لو توسعت دوائر احتراقها.
ان استهداف السعودية يرمي إلى اسقاطها وفتح منطقة الخليج العربي أمام النفوذ الفارسي عبر المذهبية الشيعية.
ومما ترمي إليه أطروحات هذه الحرب:
1 ـ سوف تضعف هذه الحرب السعودية إلى حد الافلاس من خلال جعلها تقاتل في أكثر من جهة، بل تعرض مصالحها الاقتصادية للاعتداءات العسكرية وهو ما يخلق خلخلة في السوق العالمية وهو ما يقودها إلى لانكماش وحتى التصدع في مواقفها من الأحداث.
2 ـ في ما تهدف له هذه الحرب مخطط تقسيم السعودية في اطار الشرق الأوسط الجديد وهي عملية خطرها قادم من اليمن عبر جماعة الحوثي، صاحبة عودة اراض كانت في الماضي ضمن اطار خرائط العهد العثماني، وهذه لعبة ليس من السهل اسقاطها من حسابات مسافات السلاح في هذه الحرب. ولو جرى هذا فلن تعود السعودية إلى نفس الخارطة التي تقف عليها الآن، ربما تذهب إلى دويلات تلعب فيها المذهبية دورها الأكبر في هدم وحدة الأمة، بل سوف تقوم على نبش صراعات كانت من أزمات الماضي بين آل سعود وقبائل.
3 ـ مما تجري به خطة الحرب تقسيم السعودية وهذا يبدأ من خلال محو دول الأطراف مثل قطر والكويت والبحرين ومن ثم الزحف نحو الهدف الاكبر خارطة المملكة.
كذلك علينا طرح هذا التساؤل: الشيعة في جزيرة العرب هل يصبحون القوة الفاعلة في تمكين ايران من احتلال دول الخليج العربي؟
اما ايران فهي تعمل وعبر استراتيجيتها الطويلة على وضع سيطرتها على ثروات دول الخليج العربي، بل الممرات البحرية وصولاً حتى جزيرة ميون وباب المندب وخليج عدن. هنا علينا وضع الحديدة في هذه الحسبة عبر جماعة الحوثي والتي هي الآن عند كل هذه المنعطفات، فهم في لحظة الهجوم البحري لن يتركوا ايران لوحدها.
4 ـ في حالة نجاح هذا المشروع من المؤكد سوف تسيطر القوة العسكرية الغربية على كل مواقع الثروات في الخليج العربي، مما يعني سقوط حق السيادة لهذه الدول.
5 ـ عام 1904م قال مؤسس الحركة الصهيونية هرتزل نريد جزيرة عرب متشرذمة متناحرة محطمة لا جزيرة عرب قوية متماسكة.
6 ـ ما بين ابادة ايران واحراق الخليج العربي نرى استراتيجية هدم الشرق الأوسط وقيام دولة اسرائيل الكبرى ولا نغفل هنا الحضور الفارسي الفاعل في هذه اللعبة.
7 ـ السلاح النووي هو الخيار الأخير للغرب في تدمير ايران لكن ما هي حالة دول الخليج بعد هذا الدمار.
8 ـ وقوف كوريا الشمالية وروسيا والصين عسكرياً إلى جانب ايران سوف يساعدها على إعادة رسم خرائط الحرب.
لكن علينا ان ندرك من كل ما يجري في الخليج العربي هل حقاً يسعى الغرب لتدمير ايران، ام تركها قوة منافسة في المنطقة في مواجهة السعودية، من سياسة الغرب ممارسة لعب حفظ التوازنات في ادارة المصالح؟
وطالما ظلت السعودية في خط الدفاع عن المذهب السني يجب ان تظل ايران في الطرف المقابل.
أو هناك مخطط من خلال هذه الحرب يهدف إلى جعل كل دولة منهما في حالة ضعف دون التوسع في النفوذ بما يحافظ على قوة أمريكا في الشرق الأوسط.
لو كان هذا هو الفكر الاستراتيجي للغرب نحو الخليج العربي لن تصبح هذه الحرب هي الأخيرة وان خرجت ايران منها في موقف الدولة القادرة على تلقي الضربات مهما كانت قوية، بل تفرض نفسها كمعادلة سياسية وعسكرية واقتصادية وكذلك مذهبية في صناعة كل قرار يتحكم في منطقة الخليج العربي.
لكن ماذا يكون الوضع في الاتجاه الآخر؟
السعودية: دون شك الرؤية الغربية لا ترى في صعود جهة إلا على حساب الجهة الاخرى. وهنا نقف امام معادلة خطيرة في مسألة تسيد طرف على حساب طرف فهي لن تكون إلا عبر تدمير الاتجاه المقابل.
فهل رسمت خطة حرب طويلة الأمد بين السعودية وايران كي تصبح ساحة اختبار لمن له القدرة على التحمل والاستمرارية في هذا النزيف؟
ان القضايا هنا لا تحكم بأحداث الساعة بل بما يتواصل منها في تصاعد المجريات.
هناك أطراف اخرى في معادلة هذا الصراع ليس من السهل تجاوزها مثل اسرائيل، بريطانيا، فرنسا، ودول الحدود المتصلة مثل الهند وباكستان وافغانستان والعراق وكلها داخلة في اطار هذا المشروع وتركيا لن تقبل بان تصبح حالة دائمة في الاطراف.
اما الجانب الآخر في هذه المعادلة فهم الجماعات الاسلامية المتطرفة والتي قد تصبح من رهانات الفوضى في الخليج العربي لو تحول مشهد الحرب من صدام بين دول إلى فوضى تدميرية تعم المنطقة، ساعتها من سوف يحكم السيطرة على جماعات كل فرقة منها تحمل مشروعها التي تدعي بانه جاء بالحق .
هناك من يرى أن سقوط دولة مثل ايران تمتلك هذه الترسانة العسكرية الضاربة سوف يدخل الخليج العربي في فوضى الحرب الاهلية المدمرة، وليست اليمن بعيدة عن هذا المشروع بعد ما عززت ايران جماعة الحوثي بقوة قتالية عالية، وهي تقع على أطراف البحر الأحمر وجزيرة ميون وصولاً إلى بحر العرب ومضيق هرمز.
غير ما يوجد على الجانب الأفريقي في الصومال والسودان ومناطق تعاني من غياب الدولة منذ عقود طويلة وتحولت إلى اراض مفتوحة لجماعات التطرف مثل الصومال.
هذا الخطر لن تكون السعودية بعيدة عنه في حالات نقل الحرب من رمال جزيرة العرب إلى بحار المنطقة، وحين نلقي نظرة على خارطة المنطقة سوف ندرك قوة هذا المشروع الذي يتنقل من جغرافيا إلى جغرافيا لانه يدخل في اطار تنقل مراكز الصراع التي تجعل من الحرب حدوداً مفتوحة.
انتهت الحرب.. ليست هي مجرد جملة توزع عبر الرأي العام بل هي من صناعة أكاذيب سياسة اطالة المعارك ومن ينظر إلى خارطة الصراع لن يرى حدوداً قد رسمت معالم التوقف.
هناك مشروع فارسي لن تقف قوة ناره عند مجرد كلمات تصدر عن ترامب تاجر السلاح والحروب طالما الهدف هو السيطرة الكاملة على ثروات الخليج العربي وجعل المذهبية الدينية نقطة ارتكاز في تمدد النفوذ، والسلاح والحرب هما أفضل الوسائل لصعود خطط ايران في المنطقة.
اما الاستراتيجية الصهيونية فهي لن تكون الأكثر خطراً من رغبة ايران في تحويل الخليج العربي إلى مناطق فارسية.
ان اسرائيل في هذه المسألة ليست مجرد كيان، وهو ما درجت عليه في سياسة التوسع بل هي من مرجعيات الاستعمار الغربي في الشرق الأوسط.
ان حقيقة اقامة اسرائيل الكبرى تأتي منطلقة من أحداث الخليج العربي الجارية، والحرب هي من تفتح الحدود نحو الهدف.
ومكامن الثروة هي الطرق إلى صناعة الهيمنة الكاملة، فان كانت ايران ترسانة عسكرية قادمة عبر المذهبية، فان اسرائيل قوة ضاربة نحو اعادة سياسة السيطرة الغربية في المنطقة لكن هنا في هذه المسألة دولة وسط المواجهة وهي السعودية، فهي لن تجد في انتصار أي مشروع حليفاً لها في الحفاظ على مكانتها في الخليج العربي بل هي في وضع المستهدف من قبل كل طرف. هنا تصبح عبثية الحرب بالنسبة لها مجرد فرض سياسة أمر واقع من قبل القوة اللاعبة في هذا المشهد العالمي، والتي تعمل على تغيير معالم المنطقة.

- استهداف السعودية سيفتح منطقة الخليج أمام النفوذ الفارسي عبر الهيمنة المذهبية الشيعية

لكن مما قد يدعو إلى الإرباك في صورة المشهد أن تلعب كل من إيران وإسرائيل على مساحة النار المشتعلة حتى تدخل أراضي السعودية، وهو ما يجري الترتيب له من خلال غياب الحسم النهائي لهذه الحرب من قبل أي طرف.
ومما يعرف عن دول الخليج العربي أنها لم تمر في تجارب حروب الكفاح المسلح، أو حركات التحرر أو حروب وصراعات الأحزاب السياسية.
لذلك تصبح الخبرة لديها في هذا الجانب فقيرة إلى حد الإفلاس، مما يجعل منها أرضية خصبة لصناعة مشروع تفكيك الخليج العربي، وكذلك في خلق المواقف المتصدية لمثل هذا النوع من الازمات.
إن إحراق ثروة دول الخليج العربي في هذه الحرب يعني تدمير قوة اقتصادية في مكان محدد في العالم.
بل إن العالم سوف يجد نفسه في مرحلة مغايرة ليست فيها الثروة الخليجية قوة اقتصادية فاعلة في صناعة القرار السياسي.
وهذا التدمير يهدف إلى إخراج هذه الدول من القوى المشاركة والفاعلة سياسياً واقتصادياً في الشرق إلى زاوية العجز والتراجع، بل إلى استراتيجية الاستسلام لرؤية الغرب التي تصاغ حالياً، عبر نظرية الهدم وإعادة الهيكلة.
وبالرغم من الترابط القوي بين الغرب والخليج العربي، يرى البعض في هذا الموقف الغربي من قبل ضرب إيران لمواقع قيل عنها منذ عقود، إنها شريان الاقتصاد العالمي والقوى المادية الراسخة في صناعات الغرب، ومنها القرار السياسي والذي جعل من منطقة الخليج العربي حدوداً يمنع الاقتراب منها، لأنها تمس وجود الغرب.
لذلك ولدت تصرفات هذه الحرب نوعيات من الصدمات السياسية عند الكثير.
إن النار التي تضرب حقول النفط والغاز في الخليج العربي، تؤكد على أن الغرب قد رسم معالم جديدة لهذه المنطقة.
إسقاط دول وبسط النفوذ لخارطة إسرائيل الكبرى في الشرق الاوسط!!.
لكن التساؤل الأخطر في هذا التحول أين هو موقع السعودية كدولة هامة في الخليج اقتصادياً وعسكرياً؟
إن كانت بعض دول الخليج لا ينظر لها إلا مجرد تجمعات صغيرة على هامش اطراف رمال وبحار الخليج، فهي الأسرع من حيث ابتلاعها ومحو وجودها من خرائط الشرق الأوسط.
في مدارس الفكر السياسي الغربي، ينظر لدول الخليج العربي على إنها ظاهرة مستحدثة نفطياً، بل هي ليس لها جذور في عمق مفهوم تاريخ الدولة.
وإن ميلاد الثروة هو من شكل قيام الدولة وحين تضرب مراكز القوة في هذه الثروة يتسارع انهيار هذه الدول.
هذه البصمات نراها ترسم في سياسة هذه الحروب والتي نرى فيها خطة احتلال قادمة لثروات العرب، بل أخذ كل ما يدخل في مصالح الغرب في الشرق تحت الهيمنة العسكرية.
لكن من يدقق في مشهد حرب الخليج هذه سوف يدرك أن أخطر ما في هذه الحرب إنها ألغت حسابات المسافات الحدودية وحجمت دور الجيوش المتحركة على الأرض.
بل تركت المجال لنوع من السلاح ليكون هو من يحدد منعطف القوة المنتصرة في هذه الحرب.
هي مسافات الجو، طائرات مسيرة وصواريخ وكأن دور الأرض قد اصبح مرتبطاً بالسماء.
وهنا تظهر عملية جديدة في هذه الحرب، وهي هل يمكن احتلال المواقع على الارض دون إرسال جيوش لها؟؟
الإجابة: ممكن لأن وصول قوة السلاح المدمرة لتقطع على الطرف الآخر فرصة الوصول إليها والتعامل معها كمواقع عسكرية فاعلة.
في هذه الوضعية، لا يصبح صاحب المكان هو سيد الموقف. بل من تصل قوته القتالية وهذا قد يحدث لو فكرت جماعة الحوثي بإغلاق مضيق باب المندب في وجه حركة الملاحة دون إرسال جنود.
وهو ما تلعب عليه إيران حاضراً عندما ترسل سلاحها لضرب دول الخليج العربي دون أن تحرك جنودها على الأرض.
هذا نوع جديد من الاحتلال يكون فيه السلاح سيد المعركة، وصاحب القرار.
ولا يكفي وقوف الأمر عند هذا الحد عسكرياً، بل له توابعه في لغة الحوار السياسي التي تعد وسائل ضغط عند المفاوضات.
لن تغفل إيران دور الجماعات الإرهابية كقوة مشاركة معها في جعل هذه المراكز التجارية مواقع قتالية ـ عسكرية تنطلق منها نحو اهداف جديدة، ولو حدث هذا الفعل المؤثر لاستطاعت إيران أن تمد نفوذها الحربي إلى عمق دول ما زالت تنظر إليها على أنها في حدود مغلقة من الصراعات الداخلية.
