تعز التي انهكتها الحرب والحصار والتفاصيل الثقيلة للحياة يتحول الغروب إلى نهاية يوم تحمل معنى أبعد من الضوء الذي يختفي. يصبح إشارة صامتة لفقد جديد لا يقال بصوت عال.
في تعز، حيث تختلط الجغرافيا بالوجع، لم يعد المطر يغيث الناس، صار اختبارا متكررا لمدينة تتعلم في كل مرة كيف تنجو أو تتأخر في النجاة.
الطفل أيلول عيبان السامعي خرج في حي بسيط بخطوات صغيرة تحمل براءة يوم عادي. الطريق في هذه المدينة يكشف وجهه الآخر بسرعة لا تمنح وقتا للتوقع.
هطل المطر ثم تحولت اللحظة إلى ما يشبه الانقلاب الكامل في المكان. الشارع صار مجرى جارف يعيد تشكيل كل شيء في ثوان معدودة.
في تلك اللحظة اختفى أيلول داخل الماء. صوت النداء ارتفع في الحي لكن المسافة بين الصوت والنجاة كانت أكبر من قدرة اللحظة على التجاوز.
شباب الحي نزلوا إلى مجرى السيل بأيديهم العارية بحثا عن أثر لطفل صار حضوره أكبر من عمره، وغيابه أثقل من المكان.
ساعات البحث امتدت حتى استنزفت كل احتمال. كل دقيقة مرت حملت معها جزءا من الأمل حتى بقي الصمت هو اللغة الوحيدة في المشهد.
في الصباح عاد أيلول إلى البيت.. عودة بلا حياة.. حضور كامل للغياب داخل مكان اعتاد صوت طفل لا يغيب طويلا.
تفاصيل المشهد تبقى أكبر من أن تختصر. بيت ينهض على صمت مفاجئ. أم تقف امام سؤال لا يجد طريقا للجواب. مدينة تتعامل مع الفقد كأنه حدث يتكرر بنفس القسوة كل مرة.
شوارع بلا تصريف ومجار مكشوفة وبنية تحتية تركت لسنوات من التأجيل صنعت هذا المشهد قبل لحظة المطر بوقت طويل. الماء جاء فقط ليكشف ما تراكم في الخلف.
في كل مرة يتكرر السؤال نفسه دون أن يصل إلى أي إجابة. كم أيلولا يحتاج هذا المكان كي يتغير مساره. وكم طفلا يجب أن يحمله السيل كي يتحرك الفعل قبل الفقد.
في لحظة الغروب، تهدأ المدينة أكثر مما ينبغي. هدوء يشبه التعب الذي وصل إلى حده الأخير. ضوء ينسحب ببطء كأنه يترك المكان لظل طويل من الأسئلة.
في ذلك الغروب الأخير يتحول اسم طفل إلى علامة على مدينة كاملة تقف أمام نفسها دون إجابة واضحة. ويظل السؤال مفتوحا أكثر من أي مشهد.
