(إنها القسوة في كل عين، وفي كل كلمة، وفي كل لمسة، وفي كل وعد وكل وعيد. الدنيا أصبحت غابة من الأسمنت المسلح، وأصبحت أنياب الناس مسدسات، وكلماتهم مفرقعات، وأفكارهم عصابات، والحب حربا، والحرب حبا، والدنيا كالآخرة)، تعد هذه المقولة الخالدة هي آخر ما قاله الكاتب الكبير أنيس منصور قبل وفاته بشهر واحد فقط في صحيفة “الشرق الأوسط”، ضمن مقال بعنوان (إنها القوة في كل مكان). إنه لتجسيد رائع لمفهوم العدالة ولغة القوة بين الناس، وأظهر لنا أن لغة القوة هي اللغة السائدة التي تحكم العالم، حيث أكد الكاتب أنيس منصور أن لغة القوة أصبحت بديلا من لغة الحوار والعقل. ولعل هذا هو ما يضعنا اليوم أمام تحدٍ سافر لما يحدث في غزة من دمار وقتل وحصار، متجاوزا ذلك ما قاله الكاتب الكبير أنيس منصور بسنوات منذ وفاته في (2011/8/21) سابقا عصره.
وما يحدث اليوم هو ما يوحي لنا أن القوة والقسوة أصبحتا في كل لمسة وكل كلمة على شعب ضعيف وأعزل، ولولا القوة وما تملكه إسرائيل من سلاح وحماية أمريكا لما استطاعت أن تفرض إرادتها على العالم أجمع، ولا وجود لأي سلام أو لغة حوار بين القوي والضعيف. ولعل هذا ما يقودنا إلى ما يحدث اليوم من حرب مستعرة بين أمريكا وإسرائيل وإيران، ويثبت لنا أن الحل يكمن في القوة ولا شيء غير القوة.
بادرت إسرائيل في عنجهية حمقاء إلى استهداف إيران مستخدمة قوتها وهيمنتها ففتحت على نفسها الباب على مصراعيه بين الدولتين، وكلتاهما دولتان عنصريتان، عنصرية السامية وولاية الفقيه، فاندلعت بينهما حرب المدن الحديثة، إيران ترد وتضرب إسرائيل بالصواريخ والطائرات المسيرة، وما أحدثته من دمار شامل في البنية التحتية ولأول مرة تحدث لإسرائيل، الضرب في عمق إسرائيل، ولكن قد لا يغير شيء في منظومة إسرائيل الصهيونية وستظل هي دولة إسرائيل كما هي الدولة الصهيونية المارقة العنصرية.
وأيضا الضربات الإسرائيلية العميقة لإيران لن تستطيع أن تغير نظام الحكم في إيران وتغيير نظام الملالي وولاية الفقيه. وفي الأخير ستتوقف الحرب بينهما بعد أن تستنزف طاقة كل منهما، وتعود كل دولة لبناء ما تهدم في الحرب، وربما تعود إيران للحوار بعد تدخل روسيا والصين وبضمانات دولية.
