"الرئاسة" و "الرئيس".. يمنياً..
قد تبدو "القيادة سهلة أو مغرية أمام كثيرين لا ينقصهم الطموح في اعتلاء سدة الحكم والتمتع بامتيازات العيش الاستثنائية داخل الحرم الرئاسي وضمن أروقة ومرافق القصر الجمهوري. الذين جربوا الاكتواء بجسامة المنصب وجمر المسؤولية المقترنة به.. يعرفون أكثر من غيرهم كم هي القيادة صعبة. وأغلب العابرين على كرسي الحكم ومقام الرئاسة اعترفوا دائماً أن إغراء المنصب والمقام غير كاف تماماً، ولا قليلاً حتى، لتأمين سيرة حسنة.. أو سيراً حسناً فيما بعد. بل يتحول الأمر إلى غاية محفوفة بالمجاهل ومزدحمة بمخاضات خطرلانهائي يتهدد، ليس فقط الحاكم بشخصه، بل والمحكومين جميعاً إذا لم يملأ الرجل مكانه ولا يمتلك صفات استثنائية تجعله قادراً على شغل منطقة الوسط والإمساك بكفتي الميزان دونما إفراط أو تفريط.يتصور البعض أن الرئاسة أو القيادة ليست أكثر من منصب تمثيلي رسمي أو امتياز خاص يضمن لصاحبه الراحة والمتعة وزيادة الوزن. والذين اعتقدوا شيئاً كهذا وساعدتهم الظروف ذات يوم في المرور على كرسي الرئاسة، سرعان ما وقعوا ضحية سهلة للرمال المتحركة التي تموج بها شؤون الحكم ومجاهل القيادة العليا على رأس بلدٍ يكتظ بالاستثنائي والفريد والخصوصيات المتشابكة في كل شيء.وإذا كانت المسلمة الأولية تشدد على صعوبة القيادة فإنها في الحالة اليمنية واليمنية خصوصاً تؤكد أن القيادة صعبة بكثرة لا حدود لها وعلاوة على ذلك فهي مستحيلة تقريباً، وأن بدت في حالات نادرة وفريدة ضمن الرواية اليمنية.إنها شبه مستحيلة بفارق نقطة أو درجة عن المستحيل ذاته فكيف صار المستحيل ممكناً.من المثير للمفارقات الدائمة ان أكثر الطامحين أو الطامعين في اعتلاء الحكم واقتناص كرسي الرئاسة يجعلون القدرة على الكلام وإثارة إعجاب أو اندهاش واستغراب سامعيهم ومحدثيهم سبباً وحيداً وأكثر من كافٍ لطلب مقام ووظيفة الرجل الأول في البلاد.وغير خافٍ مابداخل هذه الصورة البلاغية المتخيلة من افتراضات شديدة الضمور وكثيرة البساطة والاستسهال ولقد وقع في حسبان أحدهم وآخر وثالث أن القضية هي هكذا بهذه البساطة أو السهولة ولطالما ظهر لهم في أول الطريق أو منتصفه أن البساطة تلك لم تكن سوى تبسيط مخادع، وأن السهولة ليست حقيقية وإنما كانت استسهالاً متعمداً أدى إلى تغييب القدرة في القراءة واستنباط العبرة وإعطاء التصورات حقها من الاحترام والاهتمام في بناء المقدمات والنتائج المترتبة.قد يصلح الرجل البليغ والمتحدث اللبق والصوت الجهوري لكل شيء ولكل منصب ووظيفة خطيباً شاعراً محاضراً كاتباً ولكنه لا يمتلك ضرورة أدبية وموضوعية في ان يصلح للرئاسة والقيادة، فنحن لا نتحدث عن ندوة أو إدارة سجال حزبي ومباراة سياسية بل عن قيادة ورئاسة وحكم يكون الرجل الأول فيه مسؤولاً أمام أكثر من عشرين مليون نسمة على اختلاف قضاياهم ومشاكلهم وقناعاتهم زد على ذلك انها اليمن وقد قيل ان امتطاء الليث وحكم اليمن يجسدان صورة المستحيل ويظل حكم اليمن هو المستحيل عينه بالنسبة لمن جرب واختبر نفسه وتجربته مع اليمن ومع القيادة. تطلب الأمر بالنسبة إلى اليمن وقتاً طويلاً من عمر الزمن الجمهوري والواقع الجديد الذي توافرت الثورة اليمنية الواحدة سبتمبر وأكتوبر على تخليق واقعه وخلق واقعيته اليمنية المكثفة حتى يفطن النص السياسي والرسمي اليمني إلى اشتراطات جمة وكثيفة المحتوى لجهة الحكم وشخصية الحاكم. وعلى امتداد ما يقارب العقدين من الزمن الجمهوري كان التقلب في الحياة السياسية هو العنوان الأبرز لواقع التجربة في ضفتي اليمن الواحد صنعاء وعدن.واكب التقلب أو نظمه ورادفه في السيرورة تلك انقلاب متعاقب في أعلى هرم المؤسسات الرسمية الناشئة ذلك ان الانقلاب ظل هو الأسلوب الفادح والطريقة الماحقة في تعاقب الرؤساء واستبدالهم.وخلال المراحل تلك تراكمت خبرة ذاتية في النص اليمني حتى أمكن توظيفها لاحقاً واستثمار دروسها لمصلحة تأمين اشتراطات موضوعية وسياسية ومواكبة لإنتاج نسخة جديدة من الحكم والقيادة تؤمن بالمشاركة والتوافق والحوار وتؤمن صيغة الانتخاب وليس الانقلاب.تجسدت الفائدة عن ذلك في فترة استقرار سياسي ومجتمعي غير مسبوق دشنه عهد الرئيس علي عبدالله صالح بالانتخاب والإجماع الشعبي واختيار ممثلي الأمة وكانت تلك هي المرة الأولى التي يستخدم اليمن الجمهوري خلالها خياراً ديمقراطياً كهذا في إنتاج رئاسة جديدة وتسمية شخص القائد الجديد.عبقرية التحول حدثت وأحدثت نقلة نوعية وشاملة مهدت الطريق لفترة رحيبة من الاستقرار والتسامح والإجماع وتباعد اليمن خلالها عن لغة التقلبات ومعول الانقلابات مافتح المجال أمام نهضة تنموية واقتصادية ومجتمعية شاملة خلال سنوات الثمانينات وصولاً إلى العهد الوحدوي المبارك.جاءت الوحدة ومعها الديمقراطية والتعددية والحرية كرافعة أساسية لحياة المدنية في عهد الثاني والعشرين من مايو وبذلك أمن اليمنيون كرسي الرئاسة بإلاجماع ورسموا الطريق إلى مقام الحكم والقيادة مروراً بالانتخاب الشعبي والتفويض المباشر من الغالبية الجماهيرية وهي كلمة السر في تحصين الوحدة وتأمين المستقبل بعيداً عن التآمرات المتوارثة ودهاليز العمل السري والانقلابات الفادحة.اليوم ونحن نحتفل بالعيد الأربعين للاستقلال الوطني ندرك ان عظمة القيادة وسرها الذي اشاعه عهد الرئيس علي عبدالله صالح إنما يعود إلى التسامح والسمو فوق الصغائر ونسيان الحسابات الشخصية وايضاً سعة الصدر واحتضان المعارض المناوئ.
