نبض القلم
من المعروف أن المجتمع العربي قبل الإسلام كان يقوم على العصبية القبلية، وما تولد عنها من نعرات كانت تصل إلى حد الاقتتال، ثم جاء الإسلام بالدعوة إلى المساواة، رافعاً شعار:( لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود، ولا لغني على فقير الا بالتقوى).. حديث شريف، رواه أحمد، 5/411.وبقيت آثار العصبية مستمرة في ظل الدولة الإسلامية، متمثلة في بعض حركات التمرد، وكذا بعض الفرق التي ظهرت في أول عهد الدولة الإسلامية، والتي كانت مبادئها تتسم بالتشدد والتعصب، متوسلة بالدين، على الرغم من أن حقيقة دوافعها كانت سياسية، ومن أمثلة ذلك تعصب الخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بعد قبوله التحكيم في موقعة صفين (730م) معتبرين أن هذا التحكيم كان مجرد خدعة من معاوية بن أبي سفيان، عند أحساسه بالهزيمة في هذه الموقعة، وكان الخوارح قد رفعوا شعار (لا حكم الا لله) بما يعني رفضهم للتحكيم وعدم قبولهم بنتائجه، وقد دفعهم ذلك إلى التعصب والتشدد في معاملة مخالفيهم، بل وتكفير خصومهم.ومن القضايا البارزة الناجمة عن التعصب في التاريخ الإسلامي قضية خلق القرآن التي أثارت فتنة كبرى في العصر العباسي، حيث عذب فيها كثير من الناس، وقتل بسببها عدد من العلماء والمفكرين.ولقد ظهرت بداية هذه الفتنة في عهد المأمون، على أيدي رجل من غلاة المعتزلة يدعى أحمد بن داؤد ، قاضي القضاة في عهد المأمون، والذي كان يحظى بمكانه رفيعة لديه.ويقول السيوطي في (الأشباه والنظائر، ص 230):( أظهر المأمون القول بخلق القرآن في سنة 212هـ، أي بعد انقضاء أربعة عشر عاماً من خلافته ، فاشمأزت النفوس منه، وكاد البلد يفتتن، ولم يلتئم له ما أراد من ذلك، فكف عنه حتى سنة 218هـ، ففي هذه السنة الأخيرة، أي بعد عشرين عاماً من الحكم أعلن عن المقالة من جديد في صراحة والحاح هذه المرة، وكان من ورائه شيوخ الاعتزال يباركون ويحرضون، وكانوا قد تبؤوا في عهده المناصب العالية، وأمسكوا بزمام الأمور في الدولة، فعزوا واستطالوا، وفي غير تردد نزع المأمون عن نفسه الثوب البراق الذي كان قد ظهر به على الأمة من قبل، مرقشاً بالأخلاق الحسان، من لين ورفق ، وعلم وصلاح دين، واحترام لحرية الرأي والعقيدة، فقد كان يبيح للمسلمين وغير المسلمين أن يتجادلوا جهاراً في أدق معتقداتهم الدينية دون تثريب وبلا حدود.. ومهما يكن الرأي فيها فإن شيئاً من ذلك لم يكن قط ينم عما تكشف بعد ذلك من انسلاخه عنها إلى نقيضها ذاهباً من خصومه مذهب الحاكم المستبد.. حيث اشتد على مخالفيه، وأمرهم أن يؤمنوا بمقالة خلق القرآن وكأنها أصل من أصول الدين، وما كانت في حقيقتها الا بدعة مقحمة، ومفسدة ظاهرة، كان قد أنكرها أبوه هارون الرشيد، وأمر بقتل قائلها) أ. هـوجاء المعتصم بعد المأمون، فمضى في هذا الأمر على نهج أخيه، وكان المعتصم دون المأمون علماً، فنظر إلى مقالة خلق القرآن نظرة الوارث لا نظرة المستقصي الدارس، وكان أحمد بن داؤد لايزال في موقعة القريب من الحاكم، يلهب مشاعره ويستحثه على البطش بالمخالفين قائلاً له:( امض في طريقك واقتل من تشاء، وفي عنقي دماؤهم يوم الحساب) فكان يؤتى بالمخالفين من محابسهم راسفين قيودهم، فيسألهم منذراً متوعداً، فمنهم من يجيبه في غير اقتناع ابتغاء السلامة ،ومنهم من يجادل ولا يوافق ، فما كان منه الا أن يأمر بتعذيب هؤلاء أوقتلهم.ومات المعتصم، وجاء ابنه الواثق (227هـ) فسار بهذه المقالة سيرة أبية يكره الناس عليها، ويعذب المخالفين عذاباً لا قبل لهم به، أو يقتل من لم يقل بها.وجاء المتوكل بعد الواثق (232هـ) وكانت الفتنة في أوجها، فقد بلغت أقصى مداها، وجماهير المسلمين في هذه الأثناء يتفجرون ثورة، وتخترق أصواتهم المدوية الأسوار العالية التي أقامها المعتزلة بين الشعب والحاكم، وعندئذ رأى المتوكل أن يتوقف لينظر في المسألة نظرة متأنية أكثر بعداً وعمقاً وفهماً، فاستبان له الخطأ الفادح الذي سار عليه أسلافه الثلاثة، فأبطل من فوره مقالة خلق القرآن، تلك المقالة المشؤومة الدخيلة على الدين ، ثم انقض على أبي داؤد وأصحابه من غلاة المعتزلة، وأوقف نشاطهم وحد من انتشار مقالتهم، ولكن بعد أن كان قد كثر ضحايا المتعصبين لها، وتعددت مآسي الرافضين لها، والتي كان من ضحاياها كبار العلماء، وخيرة الفقهاء، وأعظم المفكرين. ونستدل مما سبق أن النظرة المتعصبة للأمور لاتعطي الفرصة للسماحة والمحبة، أن تحل محل البغضاء والكراهية ، وإنما تشيع العداوة والبغضاء بين الناس، علماً أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قد قال:( ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية) رواه مسلم.وغير خاف أن العصبية على اختلاف أشكالها وألوانها تكون سبباً للفتنة، ومصدراً للفوضى، وعاملاً من عوامل الاضطراب الأمني، وخلخلة السلام الاجتماعي.[c1]* إمام وخطيب جامع الهاشمي – الشيخ عثمان .[/c]
