صباح الخير
كان لي في طفولتي بيتان كبرت فيهما وقضيت نصف عمري بهما وعندما صرت اليوم شابة وأشغلتني دراستي فأبتعدت عن البيت الذي أخذت منه أغلب ثقافتي وعلمي ونضوجي فهو البيت الذي عندما يضيق بي الحال وأشعر بعجزي وقلة علمي أعود له لكي آخذ من بحره ولو قليلاً من العلم والاطلاع هل عرفتموه إنه مكتبة باذيب الوطنية المكتبة التي تربيت على كتبها وتربى كذلك العديد من أبناء جيلي بها، هذه المكتبة التي أعرف زواياها وأروقتها وملامحها أكثر مما أعرف بيتي الذي أنام فيه. واليوم وبعد عشرين عاماً من معرفتي به كان من المفروض ألا يخلو زواره وقرائه طوال الوقت فعندما زرته هذه المرة وجدت التراب يغطي كل شيء فيه الكتب والرفوف والزوايا وجدت الأبواب أصدأها الزمن وجدتها مغلقة وجدت قاعاتها فارغة تسكنها أصوات الرياح المتوحدة وجدت وجوه عامليها قد ملاها التعب واليأس ترك آثاره عليها وجدت الأنوار الخافتة والضئيلة وجدت الظلام المخيم على أغلب قاعاتها ولم أجد ما كنت أجده من قبل فعند محاولتي الدخول إلى أحد الأقسام وجدت صعوبة لفتح الباب من كثر لزاجته بالأرض وقدمه لم استطع فتحه دخلت بعد مقاومة بيني وبينه أسأل عن أحد الكتب أخبروني بأن أبحث بنفسي بين الصناديق لعلي أجد ما أريد بدلاً من اعطائي فهرساً تقول لي ابحثي , وبعد نصف ساعة من البحث لم أجد ما أبحث عنه طلبت منها المساعدة ولكن الأخت كانت مشغولة بلعب الكتشينة " البطة " على الكمبيوتر الذي كان من المفروض أن تكون كافة أسماء الكتب مخزونة فيه وبعد الحاحي عليها قامت وبحثت معي ولكن لم أجد أيضاً ما أريده من كتب فقررت أخذ أحد الكتب التي قد قرأتها مراراً من قبل ولكنها أبت أن تعطيني إياه دون بطاقة اشتراك للقراء مثل كل مرة وأخبرتني بأن الأستعارة ممنوعة بالرغم من كوني أتردد دائماً لغرض الاستعارة فعرضت عليها البطاقة الجامعية والشخصية رفضت كل هذا، وقلت إذاًَ سأطلب من خالتي أن تستعير لي الكتاب باسمها فهي تعمل أيضاً معها في المكتبة أي أنها زميلة لها .حينها علمت لماذا قل تردد القراء على المكتبة بسبب عدم إمكانية الاستعارة للكتب فهناك قيود تمنعهم من ذلك وباعتقادي أن خلو المكتبة من مظاهر الحياة جعلت الشباب والقراء يعزفون عن زيارتها فهل يعقل أن أجلس أقرأ كتاباً لمدة ساعتين في قاعة لا توجد فيها إضاءة كافية ولا حتى تهوية ونحن في موسم صيف يعني أن أغلب الشباب قد أنهوا دراستهم ويقضون العطلة الصيفية ومن المفروض أن يأتوا إلى المكتبة للإطلاع والاستعارة خلال هذه الفترة ولكن المكتبة خالية من أي قارئ باستثناء قاعة الشاعر " لطفي أمان " يوجد بها نوع من النشاط وكذلك قسم الإيداع .. وهذا ليس كلامي فقط وإنما بتأكيد بعض العاملين فيها أيضاً , والجدير بالذكر أن العاملين بالحراسة والمفروض أنهم بالاستقبال جالسون بالملابس الداخلية أي الفانلات الداخلية والفوط " المعاوز " بحجة أن درجة الحرارة مرتفعة تصور عندما تدخل المكتبة تجد أغلب العاملين يرتدون هذه الملابس !!كان على المديرة الحالية الأخت / نعمة الغابري أن تكون حريصة كل الحرص لمنع ذلك وإلزام جميع الموظفين بالحضور بالملابس الرسمية والمناسبة للعمل فالبرغم من قيامها بإدخال الكمبيوتر لكل قسم لكن الكمبيوترات وحدها لا تكفي في حين الكهرباء تظل مقطوعة أغلب الأوقات عن المكتبة الوطنية لعدم إمكانية تسديد الفواتير لغياب الميزانية الكافية لها فمن قام بزيارة بيت الثقافة في العاصمة " صنعاء " سيجد الفرق واضحاً ولا مجال للمقارنة بينهما لأن المدخل والحديقة وحدهما يكفيان لجذب القراء وشد انتباههم إليهما فزوارها بالمئات يومياً بينما المكتبة الوطنية عدد زائريها لا يتعدى أصابع اليد وهذا مالا كنا نتمناه .هنا أدعو وأناشد من يهمه الأمر ومن يمكنه إحداث تغيير ولو بسيطاً أن يعيد الروح إلى بيتنا الكبير ومكتبتنا الوطنية ،ويعيد إليها حياتها مرة أخرى قبل أن نقف على أطلالها .
