كل أحد
قد لايجد المرء ماهو أسهل، هذه الأيام، من شغل السياسة.. لسبب بسيط ووجيه بالمرة: وهو أن السياسة – وخصوصاً في بلادنا السعيدة حد الكركرة- لاتتطلب مؤهلاً علمياً ولا تخصصاً أكاديمياً، ولاخبرة سابقة.. ولاشيئاً من ذلك بتاتاً، فهي على ذلك باب واسع بلا عنوان ولا جدران.حتى أن السياسة – لسهولتها وسعة صدرها- لا تتطلب حتى مجرد شهادة حسن سيرة وسلوك، ولذلك تحولنا بين عشية وضحاها إلى كائنات سياسية تجيد فنون التحليل والتحريم واستقراء الواقع وتفسير الوقائع دونما حاجة إلى شيء من خبرة أو تخصص أو حتى ضرورة موضوعية لأن ندع جانباً جميع أعمالنا وواجباتنا الشخصية الأسرية والمجتمعية وننخرط عوضاً عنها في مولد سياسي كبير وعديم الفائدة.إن القدرة على القراءة والكتابة تكون سبباً كافياً ووحيداً لزيادة أعداد العاطلين عن العمل والمشتغلين في السياسة ليل نهار.وأحيانا يسقط الشرط السابق تماماً.. مع بروز ظاهرة فريدة تتمثل في زيادة أعداد الأميين الذين يمسون بلا عمل يذكر، ويصبحون وقد صاروا –بقدرة قادر- مناضلين وسياسيين تسطر الصحف والمواقع الموالية لهم أو الممولة من حساباتهم الخاصة ، أخبار بطولاتهم النضالية وفتوحاتهم السياسية الهادرة بكل أنواع (التأتأة) و(اللجلجة) و(الهدرة) المحبوسة في جحر يصعب مضغه أو لوكه أو بلعه!تكاثر الظواهر الفردية التي خبطت جدار الفراغ الممتد بين البطالة المباشر والسياسة المغلوبة على أمرها. . هو ما أفرز في منتصف النهار عدداً كبيراً من المظاهر النضالية الفردية والفئوية القبلية والحزبية الفارغة من كل عمل أو أمل.. اللهم إلا عمل التهريج السياسي وزراعة الهواء بأنواع جديدة وخطيرة من الملوثات وفيروسات القرف تحت طائلة التهديد المستمر بأنواع فريدة وأشكال جديدة من الثورات الشعبية والسلمية والحزبية والسياسية وحتى السلمية المسلحة وهذا هو النوع الأخير من الثورات الألفية التي أفرزها مشهد حزبي وسياسي يدع الحليم حيراناً في كل بلدان الدنيا .. هناك ضوابط معيارية متفق عليها تحدد وتنظم عمل السياسة والمشتغلين بالقضايا العامة ، ولكن لاشيء من ذلك متفق عليه في حالتنا المحلية الضابط المعياري الوحيد المعمول به هو (مافيش حد أحسن من حد) وكل واحد حر بنضاله الشخصي .لايكاد المرء يلحق أعداد ومجاميع المنخرطين الجدد في النضالات الحزبية والسياسية والبطولات الانهائية التي يبدعها هؤلاء في مجال الكلام النزق وقذف الآخرين بحجارة الكراهية أو الدعوات المليونية إلى إسقاط النظام والحكومات المتعاقبة وإعلان الثورات الألفية في وجه الحكم والحكومة وفي مواجهة الدولة والمؤسسات الرسمية .آخر النهار .. يتضح بجلاء أن النضال السياسي ومرادفاته الحقوقية والمطلبية والشعبية والانتخابية والديمقراطية، قد أمسى وهو أشبه مايكون بسوق الصميل أو سوق الشنيني في تعز.في هذه الأسواق تجد من كل صنف ونوع وشكل ولاتجد حائلاً بينك وبين مايخطر ببالك من السلع الشعبية وغير الشعبية.. وهكذا هو سوق النضال هذه الأيام!من لا يجد عملاً تحول مناضلاً ومدافعاً فوضوياً عن الحقوق والقضايا وكثير من هؤلاء يحتاجون إلى دورات في كيفية التمييز البدائي والمبسط بين السياسة وعمل السيرك أو الإعلانات التجارية المتلفزة.في ظني أن مجتمعنا ابتلى بنوع آخر وغريب من الثقافة الديمقراطية الممزوجة بثقافة "الدعممة" وقلة المصروف وكثرة الدين!ولولا ذلك لما كان المشهد مكتظاً هكذا عن آخره بالديمقراطيين الأوفياء والمخلصين لثقافة الشمولية ، ولغة المصادرة والإقصاء ولا الحزبيين المتحالفين مع أنفسهم وأحزابهم ضد حياة الحرية والتعددية والحزبية المأمومة والآمنة، ولا بالمناضلين المدافعين عن حقوق شعاراتية مجردة فيما هم أنصع الأمثلة وأكثرها سوءاً في غمط الآخرين حقوقهم ومصادرة حتى أنين الرعية تحت سنابك ادعاءات فوقية تجعلهم كائنات نادرة أو خاصة! ويبقى النضال أقصر الطرق- حالياً- للوصول إلى الفوضى والعدمية.
