الذكرى الخامسة والأربعون لثورة ( 14 ) أكتوبر المجيدة
الثورة ـ الوحدة ـ الديمقراطية : جوهر اليمن الحديثالوحدة هي أساس المشروع الحضاري الوطنيلا المنطق الانفصالي ولا المنطق الظلامي بقادرين على أنْ يجيب على أسئلة التاريخ والعصر«كانت الساعة لا أدري .. ولكنْ من بعيدٍ شدَّني صوت المآذنْكنتُ أدري ..ما على ردفان يجري ..كنتُ أدري..أنّ إخواني وأهلي أذرعٌ تحتضنُ النوروأرواح تصلِّي ..في طريق الراية الخضراء والشمس الأسيرة ..وربيع ذات يوم كان في شبه الجزيرة ..ترضعُ الدنيا شذاه وعبيره»[c1]عبده عثمان[/c]هذا الصوت الشعري المثقف النابه كان يعكسُ في ستينات القرن الماضي تطلعات أجيال من اليمنيين ثقبوا جدران الظلام، وأخذوا يصوغون حلم اليمن القادم، محطمين قيود العزلة والتفريق والجهل.. لم تثنهم ظروف التجزئة والقمع، ولا ركام الخرافات ورواسب العصور المظلمات.بالشعر كما بالرصاص قاوم اليمانيون الحكم الكهنوتي في الشمال وأسقطوه صباح السادس والعشرين من سبتمبر 1962م… ثمّ صوَّبوا الكلمات والطلقات على قلاع المستعمر.والصوت الذي انطلق من صنعاء معلناً بزوغ العهد الجمهوري الجديد أيقظ كل اليمنيين في كل البقاع.. في الداخل والخارج.. المقاتلون زرافات ووحداناً يتوجهون إلى جبهات القتال وإلى مناطق المواجهات مع قوى الملكية المدعومة من الأعداء الإقليميين والدوليين، شباب اليمن كان يعرفُ أنّه يخوضُ معركة وجوده وحياته ومستقبله.كانت تلك الأشهر والسنوات في مطلع الستينات هي المفرق التاريخي الكبير للوطن اليمني، هي مرحلة تمثل خـُلاصة التجربة الوطنية وعنفوان الثورة التي أصرت على تحقيق الحسم التاريخي الذي يُحدد وجهة اليمن الجديد.إذن كانت أولى مهمات العمل والنضال اليمني في تلك اللحظة التاريخية هي تحرير الإرادة الشعبية من أغلال السيطرة القمعية المحلية والخارجية : أي قيام النظام الجمهوري في الشمال وتحرير الجزء المحتل من الوطن.فلا غرابة أنّ الرجال الذين فجروا الثورة وأطلقوا الرصاصات الأولى في 14 أكتوبر 1963م من قمم ردفان الشماء، كانوا من المقاتلين الأشاوس الذين قاتلوا ببسالة في الصفوف الجمهورية.. أولئك كانوا ـ راجح بن غالب لبوزة ورفاقه ـ هم أنموذج الوحدويين اليمنيين الذين استوعبوا قيم التاريخ والوطنية وتجسدت في أرواحهم مثل الحرية والانتماء لهذا الكيان الكبير : اليمن بمناطقه ونواحيه، تاريخاً وجغرافيا، إنساناً وثقافة، حاضراً ومستقبلاً.ثوار 14 أكتوبر هم وحدويو اليمن.. هم الذين أنشؤوا في صنعاء وتعز وجبلة وقعطبة تنظيماتهم السياسية والعسكرية وعقدوا مؤتمراتهم الحزبية، وهناك تدربوا وتسلَّحوا ليكملوا مسيرة تحرير الوطن تمهيداً لقيام جمهورية الوطن الواحد (الجمهورية اليمنية) اليوم، التي تحققت في 22 مايو 1990م.كان مسار الحركة الوطنية، ومراحل الثورة اليمنية وطبيعة الصراع في الوطن خلال كل العقود الماضية يعبر عن حقيقة الوحدة في العمل والنضال والمال.. عن أنّ الوحدة كانت هي جوهر الفعل وقوة الحركة التاريخية، بل تعبيرٌ عن الوعي بأنّ الوحدة هي أساس المشروع الوطني اليمني الحضاري وهي الضرورة التاريخية الملحة لدخول اليمن العصر الحديث.هذه الحقيقة كانت في روح وكيان الثوار الأوائل الذين انطلقوا من قمم جبال ردفان الشماء ليؤكدوا أنّ الثورة والوحدة هي جوهر الوجود اليمني وقوته الدافعة نحو الحداثة والتقدم.. فلا المنطق الانفصالي الانعزالي، ولا المنطق الظلامي المتخلف بقادرين على أنْ يجيبا على أسئلة التاريخ وأسئلة العصر.. بل أنّ جوهر الانفصال وجوهر الخطاب الظلامي هو قطيعة مع رحابة الوطنية والحداثة والتقدم وضرورات المستقبل.. وكلا المنطقين يقودان الوطن إلى هاوية التردي والانسحاب الحضاري والإنساني.أما منطق الثورة والوحدة فهو منطق العصر والأصالة.. منطق النور والعلم والمشاركة، والانسجام مع روح التاريخ في الانتماء للوطن إنساناً وتراباً، وكذا الانسجام مع العصر في بعده الإنساني ورحابة الحرية والديمقراطية.
