نبض القلم
إن من يشاهد مايجري في غزة في هذه الأيام يختلط فيه الشجا بالرضا ويستحضر بخياله أولئكم الأبطال الذين سارعوا إلى ربهم ودماؤهم على ثيابهم وأبدانهم لم ترفع بل بقيت وساماً فوق صدورهم يلقون ربهم يوم القيامة فإذا ريحة المسك وإن كان لونه الدم إذا بالإذن الإلهي يهبط من لدن الحق تبارك وتعالى .إن هناك وجه شبه بين دم الشهداء المراق في أرض غزة وبين ذهب الأثرياء العرب المهدورة في الترف والمتعة إن لون دم الشهداء في غزة هو اللون الأحمر وذهب الأثرياء العرب لونه أحمر كذلك ولكن حمرة دم الشهداء الزكية تبعث في نفس المؤمن عند رؤيته شهامة وشجاعة وتبعث في قلبه قوة وفتوة وفي عزيمته اقتداراً وابتداداً . أما حمرة ذهب الأثرياء العرب أو صفرته الداكنة تبعث في نفوس أصحابها حب الدنيا والتكالب عليها والتعلق بها والانغماس في ملذاتها فتحدثه نفسه بالغش والاحتيال وممارسة الباطل والضلال.دم الشهداء يسيل ويتجمد في أرض غزة المحاصرة وكذا ذهب الأثرياء العرب يسيل ويتجمد في الخزائن المغلقة ولكن دم شهداء غزة يسيل لغرض نبيل وقصد جميل ويتساقط من جسم صاحبه بعد أن مات الميتة الكريمة فيتجمد جزء منه في أرض غزة الطاهره ليكون شاهد صدق على أن أرض فلسطين عزيزة لا تكتب وثيقة حريتها واستقلالها إلا بقطرات زكية من دماء شهداء غزة وغيرهم من شهداء فلسطين ويتجمد باقي الدم على جسم الشهيد وثيابه فلا يغسل منه ولا يكفن بثياب جديدة بل يبعث الشهيد يوم القيامة وقد تجمد الدم حوله فإذا هو نطاق يمنعه من العذاب ويحول بينه وبين العقاب.أما ذهب الأثرياء العرب فإنه يسيل دمعاً وعرقاً ودماً في أول الأمر من أولئكم الفقراء البائسين والعمال المغبونين نتيجة محتومة لبغي الأثرياء وبطرهم وعنتهم وإرهاقهم ثم ينحدر هذا السائل إلى خزائن الأثرياء فإذا وصل إليها تجمد فيها وتحول إلى ذهب يلزم الخزائن ولا يبرحها ليظل عنواناً ناصعاً على بغي جامعيه وشح خازنيه.ودم شهداء غزة في دنياهم ولكن شتان بينهما في هذه الرفقة فدم شهداء غزة يجري في روقهم قوياً حاراً نابضاً بالحياة فيحرضه للدفاع عن الحق ويدفعه إلى ميادين الاستشهاد ويثير في نفسه عواطف العزة .والإباء والكرامة أما ذهب الأثرياء فهو مقيم في خزائنهم مقعد الحركة ثقيل على أصحابه يرهقهم ويشقيهم وإن ظنوا وهماً إنه يسعدهم ويعلي شأنهم فإن في الحقيقة يشقيهم في جمعه وفي اكتسابه وفي حفظه والحرص عليه والاستكثار منه والتفكير فيه.ودم الشهداء في غزة رفيق يرافق صاحبه في دنياه ، وكذا ذهب الأثرياء العرب يرافقهم لينفق في سبيل من السبل وكذا ذهب الأثرياء العرب أعد أيضاً لينفق بطريق من الطرق ولكن دم شهداء غزة ينفق في سبيل الرحمن وإعزاز كلمة الواحد الديان وتحرير الأوطان أما ذهب الأثرياء العرب فينفق في سبيل الشيطان والإشباع غرائز الجسد ومطالب الأبدان وفي الهوى والفسق والفجور.فشهداء غزة الأبطال يبنون بدمائهم حصوناً منيعة للعقيدة بينما المترفون العرب يدمرون بذهبهم ما بين هؤلاء ودم الشهداء غزة وذهب الأثرياء العرب كلاهما مدخرات لصاحبه ولكن دم الشهداء سيكون مسجلاً في صفحاتهم البيضاء يلقونهحينما يلقون ربهم جواز مرورهم إلى جهة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين أما ذهب الأثرياء العرب الأشحاء البخلاء الذين لا يؤدون من أموالهم ما فرضه الله عليهم ولا يساندون حركة المقاومة في غزة ولا يدعمونهم بالمال والعتاد لأن ذلك سيكون جواز مرور لهم أيضاً ولكن إلى عذاب السعير وسيتحول هذا المال المكنوز يوم القيامة كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ثعبان خبيث أقرع قد امتلأ رأسه بالسم ثم يلتف حول رقبة صاحبه ويأخذ بفكيه لاذعاً معذباً وهو يصرخ به : أنا مالك أنا كنزك ويظل كذلك حتى يلقى من الهم والغم ما الله به أعلم.وبعد أليس واجب الأثرياء العرب في كل مكان دعم صمود شعب غزة البطل ومساندتهم للتصدي لقوى البغي والعدوان أليس من واجبهم أن يشدوا من أزر المقاومة في غزة وفي سائر أرض فلسطين ليكون الشبه بين دم الشهداءو مال الأثرياء مقبولاً فالمقاومون يقدمون دماءهم بسخاء ، فلماذا البخل عليهم بالمال وشتان بين ما نعطيهم وما يعطونه هم لأمتنا المأزومة المهزومة.؟ [c1]* خطيب جامع الهاشمي (الشيخ عثمان)[/c]
