الكهرباء أزمة، نعم… لكنها ليست كل الحكاية، وليست حتى أخطر فصولها.
المواطن في عدن لا يطلب الرفاه، ولا يحلم بالكماليات.
كل ما يريده هو راتبٌ منتظم، لا يتحول إلى ورقة بلا قيمة كلما انهارت العملة، ولا يتبخر قبل أن يبلغ يومه الثاني من الشهر.
راتبٌ إن قارنته بسعر الدولار، ستكتشف أنه لا يكفي لإشباع الجوع أكثر من يومين في الشهر، أما بقية الأيام، فهي مساحة مفتوحة لمهانة الديون، والاستدانة، وانتظار الفرج.
القضية لم تعد أن الراتب “ضعيف”، بل أن فكرة الراتب نفسها فقدت معناها.
ما الفائدة من دخل ثابت في ظل أسعار متحركة تصعد كل صباح بلا سقف؟
وأين العدل حين يُترك الموظف يواجه انهيار العملة وحده، دون دولة تعوضه، أو سياسة تحميه، أو قرار يوازن بين دخله ومتطلبات حياته؟
المواطن الجنوبي لا يريد أن يمد يده للمنظمات، ولا أن يعيش على سلال الإغاثة وكرتون التمر.
هو يريد الكفاف فقط… كفاف يومه.
أن يعيش بكرامة، أن يسدد إيجار بيته، أن يطعم أطفاله، وألا يكون الراتب مجرد “اسم” بلا معنى ولا مضمون.
أما الكهرباء، فهي عنوان الغضب الظاهر، لكنها ليست أصل الداء.
حتى الحلول الترقيعية التي طُرحت ولمسناها هذا الصيف، لم تراعِ حقيقة أن منظومة الكهرباء نفسها منهكة، قديمة، لا تتحمل حرارة عدن ولا أحمالها المتزايدة.
كنا نعيش سابقًا على «ساعتين تشغيل» بالتناوب بين الأحياء، ومع ذلك كانت الكيبلات تحترق من شدة الضغط والحرارة.
فكيف ستصمد هذه المنظومة غدًا أمام تشغيل أطول، دون تحديث، دون استبدال، ودون رؤية حقيقية؟
المشكلة ليست في زيادة ساعات التشغيل فقط، بل في غياب مشروع شامل:
مشروع يعالج الكهرباء كمنظومة، والراتب كحق، والعملة كسياسة، والمواطن كأولوية.
فأين الحل؟
الحل لا يكون بالإبقاء على نفس الراتب وانتظار معجزة.
ولا يكون بوعود موسمية تُطلق مع كل صيف، ثم تختفي مع أول انطفاء.
الحل يبدأ من:
معادلة عادلة للدخل، تُراجع الرواتب بما يتناسب مع غلاء الأسعار وسعر الصرف.
آلية تعويض تلقائية تحمي الموظف من انهيار العملة.
مشروع حقيقي لتحديث منظومة الكهرباء، لا ترقيعها.
إيقاف سياسة إدارة الأزمات، والانتقال إلى سياسة إدارة الحلول.
عدن لا تحتاج خطابات مطمئنة، ولا تبريرات جاهزة.
عدن تحتاج قرارات شجاعة، ترى المواطن كما هو، لا كما يُراد له أن يبدو في التقارير.
فالسؤال الحقيقي ليس:
هل سنحصل على كهرباء أفضل؟
بل:
هل هناك نية حقيقية لأن يعيش المواطن بكرامة، دون أن يبدأ شهره بالاستدانة، وينهيه بالعجز؟
في عدن، الوجع أعمق من ظلام الكهرباء…
إنه ظلام الراتب، وظلام الغياب، وظلام انتظار حل لا يأتي.
